تفشي وباء «كورونا»، كغيره من الأزمات الدولية الكبرى، وكيفية مواجهته من قبل اللاعبين الدولتيين، كشفا حقيقة التغيير المستمر في موازين القوى العالمية وسرّعا من وتيرته. هذا المسار التاريخي بدأ منذ عقود مع الصعود التدريجي للدور الاقتصادي، ولاحقا السياسي والعسكري، للقوى غير الغربية وفي طليعتها الصين، والتراجع الموازي، التدريجي هو الآخر، لهيمنة المعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة. الخبراء الغربيون بالشؤون الاستراتيجية والعلاقات الدولية مضطرون للاعتراف، على مضض، بهذا الواقع المستجد نظرا للنجاحات المذهلة، والظاهرة للعيان، التي حققتها الصين في ميدان السيطرة على الوباء وعلاج المصابين به، وتقديمها المساعداتت والخبرات لعدد من بلدان العالم، مقارنة بالأداء البائس لكثير من الدول الغربية. فقد رأى بيير هاسكي، المعلق المتخصص بالشؤون الجيوسياسية على اذاعة «فرانس أنتير»، مثلاً، أن ارسال الصين مليون كمامة لفرنسا هذا الأسبوع، والمساعدات التي وفرتها لايطاليا الاسبوع الفائت، خطوات رمزية تؤكد تحوّلها الى قوة عظمى حريصة على تظهير موقعها الدولي الجديد من خلال المساعدات الانسانية كما درجت القوى العظمى «السابقة» (اقرأ الغربية) على فعله. اللافت أيضاً هو تصريحات قادة الدول التي أملت لعقود أن تُقبل كجزء من الغرب، أو على الأقل كحليفة عضوية له، عن طريقة تعامله معها في خضمّ الأزمة الحالية. فهذا الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيش يعلن ادراك بلاده بأن «التضامن العالمي أمر غير موجود والتضامن الأوروبي غير موجود. لقد كان قصة خيالية على الورق»، قبل أن يخاطب الصين، واصفا اياها بـ«الطرف الوحيد القادر على مساعدتنا في هذا الوضع الصعب...». أما الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، فقد اتهم الدول الغربية بالتعاطي بسلبية مع انتشار «كورونا» مما سيفضي الى «حقبة جديدة وتغييرات جذرية، سياسية واقتصادية واجتماعية على المسرح العالمي». واذا كان من الصعب اليوم معرفة مدى هذه التغييرات وعمقها، الا ان المؤكد هو أن وباء «كورونا» وجه ضربة قاضية لصدقية النموذج النيوليبرالي، وهو الاسم التجاري لنظام الداروينية الاجتماعية الذي ساد منذ بداية تسعينات القرن الماضي، وأوغل في تدمير شروط بقاء الأغلبيات الشعبية في أنحاء المعمورة.

هل ستكون لوباء «كورونا» تداعيات على الهيمنة الأميركية مماثلة لتلك التي تلت العدوان الثلاثي على مصر بالنسبة للأمبراطوريتين البريطانية والفرنسية؟ هذه المقارنة لم ترد في نص كتب من قبل مفكرين أو ناشطين ثوريين بل في مقال على موقع «فورين أفيرز»، التابع لمجلس العلاقات الخارجية الأميركي، بعنوان «فيروس كورونا قد يعيد صياغة النظام العالمي» لكورت كامبيل، مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون شرق آسيا والمحيط الهادئ (2009-2013)، وروش دوشي، مدير المبادرة الاستراتيجية حول الصين في معهد بروكنغز. يشير الكاتبان الى أن «المنظومات الدولية تتجه للتغير تدريجيا في البداية، ومن ثم يتم ذلك دفعة واحدة. سنة 1956، أماط تدخل فاشل في السويس اللثام عن تراجع كبير في قدرات بريطانيا وشكّل نهاية لدورها كقوة دولية أساسية. اليوم، على صنّاع القرار الأميركيين أن يعترفوا بأن الولايات المتحدة اذا لم تستطع ان تكون على مستوى التحدي، فان وباء كورونا سيمثل بالنسبة اليها لحظة سويس أخرى». والحقيقة هي أن انحدار الأمبراطورية البريطانية بدأ قبل معركة السويس بعقود وتسارع بشكل دراماتيكي مع الحرب العالمية الثانية ونتائجها. لولا هذه الحرب، وما خلفته من دمار في دولتين استعماريتين كفرنسا وبريطانيا، كانت حروب الاستقلال في جميع بلدان الجنوب ستكون أطول وأصعب. الأمر نفسه ينطبق على الهيمنة الأميركية التي لم تبدأ بالانحسار مع أزمة «كورونا»، أو حتى مع الأزمة المالية سنة 2008، بل منذ أن تورطت ادارة بوش الابن بحروب أفغانستان والعراق وغفلت عن الصعود المذهل للقوة الصينية وعن عودة روسيا الى الساحة الدولية. غير أن الأزمة الحالية شكّلت فرصة، بنظر كامبيل ودوشي، لقيام الصين باستغلال الفراغ في قيادة المكافحة الدولية للوباء، الناجم عن الأخطاء الخطيرة التي ارتكبتها ادارة ترامب في مقاربتها لها، واحتلال هذا الموقع عملياً من خلال تقديم المساعدات والخبرات في أوروبا وأفريقيا وايران وفنزويلا. وهما يضيفان بأن «شي كان قد دفع في السنوات الأخيرة جهاز السياسة الخارجية الصينية للتفكير في كيفية اصلاح الحوكمة الشاملة ويوفر وباء كورونا الآن فرصة للانتقال من المساهمات الفكرية والنظرية الى التطبيق». يستعرض الكاتبان المساعدات الكبيرة التي التزمت الصين بتقديمها لعدد من البلدان، ويذكران بأن القدرة على ذلك مرتبطة بواقع أن أغلب ما يحتاجه العالم لمكافحة الوباء مصنوع في الصين، وبينها الكمامات الطبية، التي ضاعفت انتاجها عشر مرات، الى المكونات الأساسية للمضادات الحيوية المستخدمة لعلاج الالتهابات الثانوية التي يسببها فيروس «كورونا»، مرورا بجهاز التنفس N95 الحيوي بالنسبة لجميع العاملين في القطاع الصحي، بينما «تفتقد الولايات المتحدة، من جهتها، القدرة على تلبية العديد من احتياجاتها الداخلية في هذا الميدان». لا يتطرق الكاتبان الى أسباب وخلفيات القصور الأميركي ولا الى الصلة الوثيقة بينه وبين طغيان السياسات النيوليبرالية ونتائجها على جميع قطاعات الخدمات العامة، بما فيها تلك الطبية. فالداروينية الاجتماعية، وهي نظرية تراتبية للمجتمع، تساوي بين الأثرى و«الأرقى»، وتعتبر الفقراء كمّاً فائضاً يمكن التخلص منه عند أول أزمة، هي المرتكز الفلسفي والفكري الفعلي للنيوليبرالية التي تفصل السياسات الاقتصادية على مقاس مصالح من هم «أرقى». تحول موازين القوى الدولية عملية صراعية وهي ستأخذ مداها الذي قد يطول. غير أن المؤكد هو أن الأزمة الحالية، التي راهن البعض على أن تكون «تشيرنوبيل» النظام الصيني وتفضي الى زعزعة استقراره على الأقل، أضحت «سويس» النيوليبرالية بنظر غالبية شعوب العالم، لأنها عرّت حقيقتها الداروينية في لحظة الأزمات واستعدادها للتضحية بقطاعات واسعة منهم كرمى لمصالح زمرة ضيقة من المترفين.