بعد عام على نشر مقال «عن أسباب المنع واستئناف تصوير المسلسل: القصة الكاملة لـ «ترجمان الأشواق» (8/7/2018)، جاءنا من الكاتب بشّار سليمان عبّاس ردّ ننشره كاملاً مع تعقيب هيئة التحرير عليه:


* مادّة المنشورة بصحيفتكم بتاريخ ( 5 تمّوز 2018) بعنوان «عن أسباب المنع واستئناف تصوير المسلسل:القصة الكاملة لترجمان الأشواق»، تأخّرتُ بالردّ عليها لأسبابٍ شتّى تجنّباً لمزيد من «التشويش» على عمل كان مهدَّداً بالمنع، ولأنّ الوارد في المادة لا يعدو بعض الشجون بين صديقين، وإنّني قد أمضيت سنة إلا أسبوعاً، محاولاً اكتشاف «نوع» هذه المادة: هل هي خبر، ريبورتاج، تحقيق بأنواعه، عمود، المادّة غير محدّدة النّوع صحافيّاً، وتنتمي بقوّة إلى أدب المذكّرات، فكاتب المادّة ينقل صوتاً واحداً لمسألة تخصّ خمسة أشخاص على الأقل بعد عام ونصف، تبقى شبهة لـ «التحقيق الصّحافي» بسبب «القصّة الكاملة» في العنوان، و«قضيّة» في المتن، إنّ محاولة التّواصل مع المُخرج لا تُعفي كاتب المادّة من غياب الأصوات الأخرى. الموضوعيّة أن يقف الصحافي على مسافة متساوية من جميع الأطراف. هنا لا أطراف ولا مسافات. حريٌّ بالنّزاهة أن تتبرّم أسفاً، وأن تختبئ الصّحافة خجلاً، الأمر كأن يخرج أحدهم لوحده بمظاهرة صامتة، ثمّ يرجع ليؤدّي صلاة الجماعة بمفرده.
الردّ الآن وفق ثلاثة بنود:
-1- ما حدث مع الكاتب صمّوعة وفق ما جاء في المادّة، وسأتغاضى تماماً عن روايتي أنا المختلفة، كاتب المادّة يُحاكمني غيابيّاً دون الاستماع لشهادتي، ولا يُريد معرفة ماذا وقع معي، وسأحترم بالمُطلق رغبته، فقط سأذكر في النهاية تفصيلاً مرتبطاً بالأجور، وهي أرقام لا رأي فيها
-2- مشاعر الكاتب صمّوعة أثناء تجربته موضوع المقال مع التّبريرات
-3- ما أضافه كاتب المادّة بهدف المزيد من التّشهير. إنّ انتفاء الموضوعيّة، وابتكار التّوصيفات، يكشفان بوضوح الهدف بالتشهير.
-1- ما حدث مع الكاتب الناشئ: لقد اقترحَ المخرج إدخال خطّ جديد وهو فكرة «ترجمان الأشواق». ضغط الوقت وعدم الإلمام بتاريخ الشخصيات كانا السبب في كتابة ثلاث حلقات دون المستوى. وعند الشروع بالرابعة، طلب المخرج التوقّف والعودة لكتابة الحلقة صفر، فكُتبتْ وأرسلتْ مع رسالة انسحاب من العمل. الكاتب النّاشئ قرّر مغادرة مشروع «ترجمان الأشواق» في وقت- وحسب موافقته- لم يعد فيه نصّ «أسوار دمشق» مطروحاً على طاولة الإنتاج. الكاتب النّاشئ بدأ بمحاولة كتابة «ترجمان الأشواق». وبعد النّتيجة انسحب. الحلم لم يُقرصن لأنّ مستوى ما كُتب، لو كان جيّداً، إذاً لتألّق الحلم وتحقّق.
-2- المشاعر والتأويلات التي يذكرها الكاتب النّاشئ، معدومة الصّلة بأي ركن حقوقي، أو مادي وفق المعنى القانوني. من العجيب أن تُدعى هذه التّفاصيل «قضيّة» سيفجّرها له الصحافي، بعد نيّف وسنة، لو أنّ هناك- أفترضُ جدلاً- محكمة دراميّة مثالية ونزيهة، فيسأله القاضي: ما المشكلة؟فلا يكون هناك أيّة سرقة لنصّ أو سيناريو أو فكرة أو حوار، ولا أي مسألة قانونيّة أو تعويضيّة، بل «القضيّة» انزعاج من التَعاطي مع المُخرج، وتخمين للنّوايا، ذلك لا يشكّل شيئاً، ثمّ الأهم هو التّصريح «لا أنتمي إلّا لأسوار دمشق». القاضي قد يُبارك هذا الولاء المتأخّر للنصّ، ولكن ليس هناك من مطلب لهذه القضيّة، أو اقتراح بإجراء ما، على كاتب المادّة أن يميّز بين أحدوثة المقهى، وبين المسألة الجادّة.
ليس من المنطقي أن يُكتب على شارة المسلسل، بين أسماء فريق العمل: «حاولَ كتابة ثلاث حلقات ولم ينجح، ولم تُعتمد، ثمّ يظهر اسم الكاتب النّاشئ! صناعة الدراما لمّا تسمع بوظيفة كهذه، وقد تسمع إذا تفشّت أكثر صحافة من هذا النّوع.
ولنفترض أنّ ثمّة قضيّة؛ هل إذا وجدَ أحدنا بيته «مسروقاً» يلجأ إلى الصّحافة، ويواظب على اعتمادها بمفردها-دون أيّة جهة أخرى- لقضيّته طيلة هذه السنين؟هناك سوء استيعاب لمعنى الصّحافة، وظيفتها، وماهيّتها، مسألة «قرصنة الحلم» تستحضر بقوّة مفردات متواضعة لقصيدة نثر.
الصّحافة تتطوّر هنا، تصبح نيابة أو محكمة، نقرأ «يزوّدنا صمّوعة بمجموعة رسائل إلكترونية ليدعم ما جاءنا به». هل ثمّة رسالة تكشف صورة شعاعية عن «كواليس يودّ إخفاءها» أو صورة إيكو عن «كتبتُ الحلقة الصّفر بمزاج عال» إذا صدقَ الجزء لا يعني أن يصدق الكلّ، وإذا استبعدنا مشاعر وتأويلات الكاتب النّاشئ، فالقضيّة هكذا: النصّ لم يعجب المخرج، فاقترح فكرة أخرى لم ينجح الكاتب في صياغتها. اعتذرَ الأخير، وابتعد، فتلقّفه كاتب المادّة، وأقنعه بقرصنة الحلم وسرقة الجهود، ثمّ اقتنعا معاً.
-3- الصحافي كاتب المادّة يُضيف كثيراً على كلام الكاتب النّاشئ: في السطر السّابع، يورد كاتب المادّة «القضيّة التي كشف كواليسها». وفي السطر29 ينقل عن الكاتب النّاشئ «فصُدم بأنني عرفتُ كواليس»، لماذا يتكلّم كاتب المادّة نيابةً عن الكاتب النّاشئ؟عادة يقال «خلف الكواليس» وليس «كواليس» فالأخيرة واضحة وظاهرة،لا يُعقل أن يكون الكاتب الناشئ يستعملها بطريقة خاطئة مماثلة لطريقة كاتب المادّة.
في السّطر 36 يصف صمّوعة أوّل ثلاث حلقات من «ترجمان الأشواق»- التي كتبها هو بينما قمتُ أنا فقط بمعالجتها- يقول: «مقترح خال من كلّ عناصر الجاذبيّة». وفي السّطر 40 «غارقة في التّنظير»، وفي السّطر 54 يصف مشاعر التّوقيع «ولكنّني وقّعتُ صاغراً».
ثلاث فرائد نقديّة ووصفيّة يُفترض أنّها لصمّوعة:-أ- يخلو من الجاذبيّة-ب- غارق في التّنظير-ج- صاغراً.
نبدأ مع-أ- الجاذبيّة: ونتوقّف مع مقالات سابقة لكاتب المادّة. العنوان ثمّ الاقتباس،في «فنّانو سورية يكتشفون الترويج» نقرأ «على نحو لولبي من أجل الجاذبيّة»/في «الهيبة يكسب باكراً». نقرأ «تحوم حوله لتخلق الجاذبيّة/ سيّد الكاريزما مرّ من هنا» نقرأ «مفضلاً بسبب جاذبيّته/كاش مع باسم» نقرأ «أستوديو لا يقلّ جاذبيّة/هل يلعب تيم حسن دور هارون» نقرأ «القصور وجاذبيّة كواليسها» (نلاحظ كيف يصيب جاذبيّة وكواليس بحجر واحد) أكتفي بهذا القدر من الجاذبيّة، خشية أن نصل إلى مشارف ضريح نيوتن.
ثمّ لدينا-2-غارق في التّنظير: هناك مقال لكاتب المادّة «قلم حمرة يخذلنا ويغرق في التّنظير». المشكلة في «تنظير» أنّها لا ينبغي أن تُستعمل في النّقد الدّرامي. يمكنه أن يقول: الحوار لا ينسجم مع ظروف المشهد، الحوار يسعى إلى تقديم المقولة مباشرةً، الحوار لا يناسب مواصفات الشّخصيّة؛ التّنظير ليس مشكلة بذاته،وإنّما: كيف، وأين يظهر، وعلى لسان من؟ التشابه بالصّواب أمر وارد، ولكن عند التشابه بالخطأ، في ورقتين لطالبين، يرسبان معاً، من غير المعقول أن يتطابق التقييم إلى هذه الدّرجة بين النّاشئ وبين الصحافي،كما أنّ «غارق» تُحيلنا هذه المرّة إلى أرشميدس.
يبقى-3-وقّعتُ صاغراً: كاتب المادّة في تجربة سابقة بعنوان «نصّ يوم لسامر البرقاوي سرقة موصوفة» يقول: «بعدما اعترفَ صاغراً». مشكلة هذه الكلمة أنّها هجوميّة، تفيد بمعنى الظّفر بالخصم، لا تنفع لكسب التّعاطف مع النّاشئة، كثافة السّهام الّتي تُنتشل من الجُعبة، لتُقذف تترى على الخصوم، وبسبب الحماسة، ها سهم يصيب الحليف؛ الظّاهرة تُعرف بـ «النيران الصّديقة».
المسؤوليّة عن المشاعر التي اختبرها الكاتب النّاشئ، يجب أن تتحمّلها «المؤسّسة» لوحدها، فلا يُترك للمُخرج، أيّ مُخرج، القرار النّهائي بقبول نصّ ما، وذلك وفق بند في عقد بيع النصّ، ولا تلغي رأي القرّاء لديها بأنّ النّصّ جيّد، ولكنّ ذلك يقع بسبب غياب «الكفاءة» عن قرّاء المؤسسّة وقتئذ، ومعرفتها الرّاسخة بذلك، كان يكفي أن يكتب صحافي ما، بضع مقالات عن المسلسلات، وفق ذهنيّة المديح أو الهجاء، بلغة «تحشيشيّة» لكي يُصبح معتمَداً كقارئ؛ ولأنّها لا تثق بقرّائها، ولا حتّى بكوادرها، فإنّها تترك التقييم النّهائي للمُخرج، وتتعاقد مع مُعالج درامي، كما حدث لي، لتطوير «أسوار دمشق» بأجور معالجة تفوق بكثير ثمن النصّ نفسه. وهذا- وفق لغة النّقد الفيزيائي- يُماثل أن تكون أجور تصليح سيّارة أكثر من ثمنها بضعفين، فلنتخيّل وضعها إذاً، وأمّا إعجاب مخرج ما أو قارئ بالنصّ، فكلامٌ ليس يُلزم الآخرين، لأنّ الفنّ يخضع لعوامل الذّوق، المزاج، والرؤية الشّخصية؛ شكسبير يُعجب دوستويفسكي كثيراً، ولكنّ شكسبير لا يُعجب تولستوي نهائيّاً، وتولستوي يُعجبُ همنغواي كثيراً، ولكنّه لا يعجب جورج أورويل.
أخيراً:أ تمنّى على صحيفتكم أن تُقلع عن الخطأ بكتابة اسمي، التكرار يجعله متعمّداً وليس صدفة، حدث ذلك في مادة خبرية بعنوان «وزارة الإعلام تمنع ترجمان» وفي مادّتين على الأقل عن مسلسل «صانع الأحلام» يظهر خطأ بكامل الكنية فتظهر أخرى، الأسماء من السّهل الحصول عليها، لا تحتاج «خبطة» ولا جهود، مع أخذ العلم- لمن يواظب على ذلك- أنّ الأمر لا يؤثّر البتّة: فقد سار ذكري في البلادِ فمن لهم/ بإخفاء شمسٍ ضوءُها متكاملُ.
بشّار سليمان عبّاس.

* رد التحرير
نثمّن غالياً حرص السيد بشار سليمان عبّاس على تقاليد مهنة الصحافة التي ينظّر بها، كما نحرص على تزويده بقليل من العلم في ما يخصّها، حتى ولو سار ذكره في البلادِ فمن أين لنا إخفاء شمس ضوئه المتكامل على حد تعبيره. مقالنا هو كناية عن تحقيق تخاذل فيه أكثر من طرف عن مواجهة حقائق مثبتة في سجلات «المؤسسة العامة للإنتاج التلفزيوني والإذاعي» في وقت كان العمل مهدداً بعدم العرض، كونه أنجز بصيغة التفافية على القانون. لذا نقلنا وجهة نظر كاتب شاب تعرّض مشروعه للقرصنة، علماً بأن المخرج محمد عبد العزيز أخذ وقتاً طويلاً للرد بعد وضعه في تفاصيل ما أدلى به حازم صموعة، ثم اعتذر عن عدم الدخول في الموضوع، وجرّب المستحيل لمنع المادة الصحافية من الظهور، علماً بأن خطّ «ترجمان الأشواق» الذي أقحمه على قصة «أسوار دمشق» ليس له علاقة بالموضوع الأصلي للعمل، وهو نص فيلم رفضته «المؤسسة العامة للسينما» بحسب تقرير لجنة القراءة. وقد حاول عبد العزيز استصدار ورقة من المؤسسة تنفي هذه الواقعة، لدى تواصلنا معه ووضعه في صورة المقال المنشور وانتظار ردّه.