في الأزمنة الرديئة، تنخفض المعايير الصارمة، وتترفّع الذائقة العامة وتلك الفردية عن ميولها المتطلّبة. لو قورنت البرمجة الكلاسيكية الغربية في المهرجانات الصيفية في الأعوام الأخيرة، ومن ضمنها هذا العام، بالعصر الذهبي لـ«مهرجانات بعلبك الدولية» قبل الحرب، وحتى بمحاولات النهوض في التسعينيات، لعُدَّت موضوعياً متواضعة، إذا استثنينا المستوى النجومي الفائق الذي تطرحه «مهرجانات بيبلوس الدولية» هذا العام. وصِفة سوبر ستار في الكلاسيك، تعني، كما في غير الكلاسيك، الشهرة الفائقة، لكنها لا تعني بالضرورة مستوى فنّياً مرموقاً. فعازف التشيلّو الصيني الأصل، الفرنسي المولد، الأميركي الجنسية، يو-يو ما (Yo-Yo Ma) هو اليوم أشهر من جميع زملائه الأحياء والراحلين، لكنه بالتأكيد ليس أفضل منهم على مستوى الأداء والإحساس والعمق. وحده عازف التشيلّو بابلو كازالس جمع المجد من طرفَيه: الشهرة العالمية والمستوى الفنّي غير المسبوق وغير الملحوق. في هذه الحالة، تُستبدل صفة سوبر ستار بالأسطورة.

إذاً، النجومية عنوان الكلاسيك في «بيبلوس»، تُضاف إليها نقطة إيجابية تكمن في مستوى البرنامج وجدّيته. في «بيت الدين» العنوان هو المستوى العالمي المقبول بنكهة محلّية مع ثنائي البيانو عبد الرحمن الباشا وبيلي عيدي (راجع المقالة الخاصة بهذا الموعد في الصفحة). في «بعلبك» إصرار، للسنة الثانية على التوالي، على «الموت» عنواناً عريضاً للبرنامج (ضمن تظاهرة سياحية/ ترفيهية!)، مع «ريكوييم» فيردي بقيادة الأب توفيق معتوق (راجع أيضاً مقالة خاصة بهذه الأمسية ضمن الملف). أخيراً، على غير عادة، تدعو «مهرجانات الأرز» التينور العالمي أنديا بوتشيلّي والعنوان الذي يلخّص الأمسية هو الغناء الأوبرالي بنكهة شعبية (أحد اهتمامات بوتشيلّي إلى جانب مساهماته الأكثر جدّية في مجال الأوبرا).
بالتالي، الوضع ليس مأساوياً. فالسنوات السابقة لم تكن أفضل، حيث غاب الكلاسيكي كلّياً عن بعضها.
«مهرجانات بيبلوس» تحتل الصدارة في مجال الكلاسيك هذا الموسم. فقد كررت، من خلال دعوة يو-يو ما (24 آب/ أغسطس)، ما فعلته مع مواطنه في الأصل وزميله في الكلاسيك ومنافسه في النجومية الفائقة، عازف البيانو لانغ لانغ. إنها الضربة القاضية لجميع المهرجانات، لناحية استقطاب الجمهورَين الجدّي والهاوي، في ما خص الاسم، كما لناحية إرضاء الجمهور الأول (الجدّي) وبعض الصبورين من الثاني (الهاوي) في ما خصّ البرنامج الذي يتألّف حصراً من متتاليات التشيلّو الست ليوهان سيباستيان باخ.
من هو يو-يو ما؟ ولماذا قصدنا أن نشعر القارئ ببعض التحفّظ عن اسمه في ما تقدّم؟ إنه في الأصل عازف تشيلّو كلاسيكي. ولد في فرنسا عام 1955. درس في الولايات المتحدة الأميركية، فبرع على آلته وراح يقلّب مدوّنات الريبرتوار الخاص بالتشيلّو (كونشرتوهات للتشيلّو والأوركسترا، سوناتات للتشيلّو والبيانو أو أخرى تحلّ فيها آلة أخرى مكان البيانو، ثلاثيات يدخل التشيلّو في تركيبتها،…) ويصدر الأسطوانات التي غطّت الحقبات كافة، من عصر الباروك حتى القرن العشرين. لكنه، لسبب له علاقة على الأرجح بأسلوب العمل وعدّته في أميركا، راح يفعل ما يبدو غريباً على مجتمع الكلاسيك الصارم والجدّي. فأن تفتح مجلّة متخصصة في الموسيقى الكلاسيكية (مثل مجلّة الـBBC في التسعينيات، كمستندٍ بين أيدينا) وترى على صفحةٍ كاملة منها صورة ليو-يو ما، جالساً على كرسي، فاتحاً رجليه ويديه (رافعاً التشيلّو بإحداها) وفي الخلفية تبدو مانهاتن وبُرجا التجارة العالمية قُبَيل اختفائهما (عاد وعزف على أنقاضهما في الذكرى الأولى للـ11 سبتمبر)، في إعلان لإحدى ماركات الساعات الفاخرة، ستشعر بأن كل ما في الصورة بعيد كل البعد عن الموسيقى… ولن تستثني من هذا الشعور الرجل المرسوم على محيّاه تلك الابتسامة البلهاء الخاصة بعالم الماركيتنغ! تخيّلوا سفياتوسلاف ريختر (عازف بيانو) بهذا الكادر… مستحيل. أو بيار فورنييه (عازف تشيلّو)، والعياذ بالله. هذا لا يمنع من أن الرجل بارع في مجاله، جادّ في العمل، وفي مسيرته إنجازات موسيقية كثيرة. لكن تلك الصورة لا يمكن محوها.
طبعاً، أضف إلى هذا السلوك الفاقع مادياً، ما يتبعه من أكسسوارات الشهرة التي قد تبدو في الظاهر أنبل من الإعلان التجاري، مثل تعيينه رسول سلام من قِبَل الأمم المتحدة منذ عام 2006 وما إلى ذلك من نشاطات فارغة، تقوم بها جهات لغسل ضمائرها من العذابات والحروب التي تنشرها دول الغرب في العالم الثالث، آخرها البحث عن اللاجئين السوريين لاكتشاف مواهبهم الموسيقية والوقوف على خاطرهم.
يقسم نشاط ضيفنا الموسيقي إلى ثلاثة محاور كبيرة: باخ، الريبرتوار الكلاسيكي والموسيقى غير الكلاسيكية (موسيقى الشعوب، موسيقى الأفلام، البوب…). في المحور الثالث، قدّم مشروعاً كبيراً بعنوان «طريق الحرير»، فأصدر أسطوانات عدة للموسيقى الإثنية الآتية من الشعوب التي مرّت فيها طريق الحرير قبل أكثر من ألفَي عام، أدّتها «مجموعة طريق الحرير» التي أسسها قبل عقدين تقريباً، وضمّت موسيقيين مختلفين باختلاف المشروع في كل مرة، من شخصيات عظيمة ومحترمة إلى أخرى انتهازية. في هذا السياق أيضاً، لكن في مجال موسيقى الأفلام، كانت للرجل مساهمة في تنفيذ موسيقى عدّة أفلام هوليوودية. كذلك قدّم أمسيات تتمحور حول هذا الريبرتوار. المحور الثاني، أي الموسيقى الكلاسيكية، ونقصد الريبرتوار الجدّي في القرون الثلاثة الأخيرة. في هذا المجال، قدّم الرجل عشرات التسجيلات، تفاوتت بين العادي والمحترم (كأي موسيقي كلاسيكي يعمل في مجال الأداء). أما المحور الأول، فهو الأبرز عموماً، وكذلك تكمن أهميته في علاقته المباشرة ببرنامج الأمسية المرتقبة في «بيبلوس».
كتب باخ العديد من الأعمال التي يدخل التشيلّو في تركيبتها بنحو ثانوي أو أساسي. لكنه خصّ هذه الآلة بعمل ضخم حجماً وجمالاً وصعوبةً، هو المتتاليات الست للتشيلّو المنفرد. هذه التحفة الخالدة اكتشفها، بالصدفة، الكاتالوني بابلو كازالس (1876 — 1973). فقد كان تلميذ التشيلّو الموهوب البالغ 13 سنة يجول في السوق عندما وجد نسخة عن هذه المدوّنات في محل لبيع الأغراص المستعملة. اشتراها وذُهِل بما رأته عيناه. ظل يتمرّن على أدائها مدّة 13 سنة أخرى، قبل أن يبدأ بإدراجها في أمسياته الحيّة. الأهم أنه بقي يتأمّل ويتعمّق بالمقطوعات الـ36 (تتألف كل متتالية من مقدّمة وخمس حركات أو الأصح رقصات) لأكثر من أربعة عقود ونصف، قبل أن يدخل إلى الاستوديو ليسجّل، بين عامي 1936 و1939، أول نسخة كاملة منها في التاريخ (وهي الأولى والأخيرة في مسيرته). ذاك التسجيل فتح باب الجنة أمام عازفي التشيلّو في العالم، إذ رأوا في العمل قمّة في التعبير الفني والتحدّي التقني، فطالت اللائحة لتشمل، لغاية اليوم (2019) نحو 200 تسجيل كامل لهذه المتتاليات (إذا استثنينا من سجّلوها على آلة أخرى، كالألتو أو حتى الفيولون، مثل تسجيل الإنكيلزية رايتشل بودجز الذي صدر قبل أسابيع)، من ضمنها ثلاث نسخ بتوقيع يو-يو ما، يبقى أفضلها الأخيرة التي صدرت في 17 آب (أغسطس) 2018. يو-يو ما، الذي يقسم أن الثالثة ثابتة ولن يعود إلى تسجيل هذا العمل مرّة أخرى، قرر أن يقوم بجولة لتقديم هذا العمل، الذي تبلغ مدة أدائه نحو ساعتين، في 36 موقعاً (عدد المقطوعات التي يتألف منها مُجمل العمل) في ست قارات (عدد المتتاليات)، وأمسيته الجُبيلية هي محطة ضمن هذا المشروع. سجّل العازف الشهير متتاليات باخ للمرة الأولى عام 1983. تسجيل متواضع مقارنةً ببعض من سبقوه مثل كازالس (بين 1936 و1939) والفرنسي بيار فورنييه (1960 — زار «بعلبك» في صيف ذاك العام وعاد في صيف 1964) أو لحقوه مثل الهولندي آنر بيلسما (1992) والفرنسي الشاب جان-غيين كيراس (2007) وغيرهم. كذلك هو حال التسجيل الثاني الذي أنجزه الرجل عام 1998 وأرفقت المتتاليات الست بأفلام شاركت في إخراجها أسماء مهمة على رأسها آتوم إيغويان. أما الثالث، فقد لاقى ترحيباً مقبولاً جداً من النقاد والجمهور، إذ تخطى التسختَين السابقتَين، لناحية النضج والفهم العميق للعمل. على سبيل المثال، منحته مجلّة «ديابازون» الفرنسية الصارمة «5 ديابازون»، وهي العلامة الأعلى قبل التقدير الأسمى المسمّى الـ«ديابازون الذهبي».
أخيراً، الجمهور مدعو إلى عدم تفويت هذا الحدث. هذا لا شك فيه. لكن يجب التنبيه إلى أن هذه الأمسية لا مكان للتسلية والترفيه فيها. أدنى فقدان للتركيز قد ينعكس مللاً على المستمع. حتى «مهرجان البستان» المتخصص في الكلاسيك، أدرج هذا العمل في دورته التي خصصها بالكامل لباخ السنة الماضية، مقسوماً بين عازفَين، تناوبا على أدائه في ليلتَين غير متتاليتَين، فيما قدّمته كاملاً في أمسية واحدة السويسرية أوفيليه غايّار في دورة 2007… مع الاختلاف الجذري في الأجواء بين «بيبلوس» الذي يقيم الأمسية في الهواء الطلق، فيما فضّل «البستان» أن يؤدَّى هذا العمل في مكان أكثر حميمية (في المتحف الوطني وفي كنيسة أثرية).