بعلبك | ينشط مشروع الإرث الثقافي في إنجاز أعمال المرحلة الأولى من تأهيل موقع بعلبك الأثري وترميمه، ليشرع من بعدها بالمرحلة الثانية التي تشمل المدينة القديمة. لكن مخططات المشروع ودراساته لا تلحظ موقع «مغر الطحين» القريب من القلعة جغرافياً والبعيد عنها فعلياً بسبب المشاكل الجمة التي وضعته خارج إطار الإنماء.

الموقع الأثري يزخر بعشرات المغاور والكهوف المتداخلة في ما بينها بسراديب مقببة وذات أشكال هندسية مختلفة ومتنوعة. وأطلق الأهالي على الموقع اسم مغر الطحين، نسبة إلى الصخور الكلسية التي تتحول عند تفتتها إلى ما هو أشبه بالطحين. أهمية المغر الذي يتموضع في حي الشراونة شمال بعلبك،

تكمن في كونه الموقع الأثري الوحيد الذي يؤكد الخبراء أنه بقعة كانت مأهولة منذ آلاف السنين، في ما كان يعرف بالقرى «الصوانية»، التي يرجح أن يكون العمال الذين بنوا قلعة بعلبك قد سكنوها. والدليل على ذلك، أن في مغر الطحين ممرات عالية وضخمة تتوزع في اتجاهات ثلاثة: الممر الأول، مساره من المغر باتجاه الجنوب ويصل إلى القلعة ومعابدها، فيما الممر الثاني يتخذ مساراً غربياً باتجاه الكيال حيث المقلع الأثري. أما الممر الثالث فيصل المغر بتلة الشيخ عبد الله شرقاً، المطلة بدورها على القلعة.
حاولت الدولة أن تحمي هذا الموقع وتستثمر هذه المزايا سياحياً وثقافياً، فصنفت المغر وجوارها منطقة أثرية، وبدأت المعاملات لاستملاكها. لكن، بين مشاريع الدولة الطويلة الأمد ومشاريع السكان القصيرة الأمد فجوة عميقة، خاصة حينما لا يكون هناك من رادع واضح امام تحركات السكان. هكذا قرر البعض أن يعدّ مشاعات المغر املاكاً خاصة، فبنيت المنازل في محيطه و...تحولت مغاور الموقع الى جوَر صحية.
قبل سنوات، عملت بلدية بعلبك على توفير إمدادات لشبكة الصرف الصحي في منطقة المغر، وأشركت كل البيوت فيها. لكن، بحسب هاني كسر، «البلدية ارتكبت خطأً بتنفيذها شبكة صرف صحي بنحو «غير مدروس» لناحية طبيعة حي «المغر» المنخفضة، الأمر الذي يسمح للمياه الآسنة بالتجمع على الطريق في المنطقة الأدنى من الشارع. وهذا ما دفع بالسكان الى «الانسحاب» من الشبكة وتحويل المياه المبتذلة لكل بيت على الكهف والسراديب. هكذا تحول الموقع الأثري الى «جورة صحية» لبيوت مخالفة! ولم تتوقف التعديات عند هذا الحد، بل أقفلت الكهوف والسراديب بالأحجار والباطون، تفادياً لتسرب الروائح الكرهة.
اليوم، وحين فهم الأهالي معنى التطور والتنمية المناطقية الواسعة الإطار، بدأوا يحاولون أن يخففوا من وطأة المسألة، على أن يدخل مغر الطحين في مشروع الإرث الثقافي، فيؤهله ليصبح موقعاً سياحياً أثرياً. ويقول هاني كسر «إن مطالبات الأعالي ترتكز على ضرورة إعادة الكشف على الموقع والعمل على تأهيله، وهم يسمحون للبلدية «بتمرير» الشبكة في ملكياتهم الخاصة، والتخلص من الأضرار التي تلحق بالمغر. وكان الاهالي قد وجهوا كتاباً رسمياً للبلدية لتأكيد جديتهم في هذه المطالب، لكنهم لم يتلقّوا جواباً».
سعيد اللقيس، عضو بلدية بعلبك ورئيس لجنة الآثار والسياحة في البلدية، أكد أن المشكلة في عدم الاهتمام بالمغر تعود إلى «غياب التمويل» للدخول بمشروع كهذا يفتقر لكل الشروط التي تفرضها الجهات الممولة لمشاريع الإنماء، مشدداً على أن مشروع الإرث الثقافي يخلو من أي بند يتعلق بترميم المغر أو تأهيله. والجدير ذكره أن بعثة ألمانية زارت «المغر» العام المنصرم، وحاولت رفع رسم طوبوغرافي للموقع، إلا أن النفايات المتراكمة في المغر أعاقت عمل الفريق، الذي لم يتمكن من الدخول الى الكهوف نتيجة مياه الصرف الصحي.