مع ساعات الصباح الأولى، تفوح رائحة خبز الصاج «المرقوق» من قبو الحاج «أبو علي» الشامي. رائحة يمكن أبناء جرجوع تمييزها.

فعائلة محمود الشامي تدأب على «خبْزَة» أو اثنتين خلال الشهر «تكون حرزانة، تكفي لأسبوعين، أو لشهر» كما تقول الحاجة لطفية؛ فـ«الحاج وأنا لا نأكل غير خبز الصاج؛ ولأن الموجود في السوق يشبه خبز المرقوق وليس مرقوقاً. نعجن مناصفة بين طحين بلدي وطحين ذرة، ونخبز على الحطب لا على موقد الغاز».
أسدلت عائلات جرجوع تماماً، مثل مجمل عائلات القرى الجنوبية، الستار على أقبيتها التي كانت مخصصة لخبز الصاج، وحولتها إلى مستودعات للفائض من الـ«كراكيب». أما قبو الحاج أبو علي، فلا يزال زاخراً بالحطب وبمعدات الخبز: الصاج والموقد الحجري، الكارة والألكان والطبلية، و«مساند» جلسة الخبز الطويلة التي قد تستمر أكثر من ساعتين، بسبب كبر «العجنة» التي تسهم فيها بنات «أم علي» و«سلفتها» مريم كركي.
تروي كركي أنها عجنت وخبزت في إحدى المرات 120 «عدة» خبز، وهذا رقم قياسي؛ إذ إن العدة تتألف من عشرين رغيفاً، أي 2400 رغيف. «في حينها، كانت العائلة كلها لا تأكل غير خبز الصاج». وتحرص الحاجة لطفية، مع سلفتها، على أن يكون الرغيف «باتساع الصاج تقريباً؛ لأن المرقوق، كلما رقّ أكثر، ابتعدت العطنة (العفن) عنه، ويمكن أن يصمد على حاله شهراً كاملاً».
أجمل ما في «خَبزة» آل الشامي في جرجوع، أن رائحة مرقوقها تجذب عابري الحي، فـ«يميّلوا»، بناءً على دعوة الحاجة، لتناول رغيف ساخن طازة.
ويجمع الحاج محمود وقود الخبز من نصول الحطب اليابس، يرتبها في أكياس أو صناديق، حتى إنه يجعلها في قياس واحد، جاهزة دائماً لاستخدامها. «لا يمنع أحياناً أن يعسّ الحطب ويرتفع الدخان منه»، تقول إحدى بناته التي لا دور لها غير «تلقيم» الموقد، وهي مهمة «تحتاج إلى معلميّة؛ إذ يجب أن يظل الحطب على مستوى واحد، فإن زادت النار، فمعنى ذلك رغيف شافط (محروق)، وإن عسّت، فذلك يعني أننا سنبقى طوال النهار في الخبز» كما تشرح. أما من سيبقى في القبو، فلا يمكنه أن يستمر واقفاً «وإلا فسيظل يذرف الدموع من الدخان الذي يرتفع عادة نحو الأعلى».
تتناول مريم كركي أرغفة العجين من اللكن، وترميها على الطبلية أمام سلفتها لطفية، التي ترقّها وابنتها في مرحلة أولى، ثم تتولى الحاجة وحدها عملية التلويح، أي «الرّق»، قبل «فرده» على «الكارة» المدوّرة القماشية. وبين هذا أو ذاك، يبدأ الأحفاد بالوصول. بعضهم لا يزال يفرك النوم عن عينيه، لكنه لن يفوّت «الفرصة» التي يتمناها «كل قريب وبعيد؛ لأنها باتت شبه نادرة»؛ كما تؤكد السيدات المتحلقات حول الموقد.