«كنت وفيّاً للجهة التي سمّتني وزيراً في الحكومة، أي القوات اللبنانية، وقد بذلت قصارى جهدي لتشريف وتبييض وجه من شرّفني بتمثيله». بهذه الكلمات يردّ وزير العدل في حكومة تصريف الأعمال، إبراهيم نجّار، على سؤال عن الاتهامات التي ساقها البعض بحقه لناحية تعزيز دور «القوات» في قصور العدل. في المقابل، ينفي الوزير، طبعاً، أن يكون قد خرق القانون في أي من القرارات التي أصدرها في هذا الإطار.

اليوم، يدرك نجّار، المبتسم دائماً، أنه لن يعود إلى الوزارة أو سواها في أيّ حكومة مقبلة، وذلك بعد مشاركته في حكومتين متتاليتين وزيراً للعدل. قد ينسى اللبنانيون اسمه مع مرور الأيام، ولكن التاريخ سيذكر أنه الوزير الذي وقّع على 3 بروتوكولات تعاون مع المحكمة الدولية الخاصة باغتيال الرئيس رفيق الحريري. هذه المحكمة، التي يصرّ البعض على أنها استباحت، من خلال الاتفاقية والبروتوكولات، سيادة لبنان واستقلاله، وجعلت من قضاته «بوسطجية» ووسائط بريد، على حدّ تعبير أحد كبار القضاة. يرفض الوزير ربط هذا الأمر به، كأنه المسؤول الأوحد، فيقول إن كل التوقيعات حصلت «بتكليف من مجلس الوزراء، وقد حصل أخذ وردّ في المجلس، ولكن في النهاية كُلّفت بهذه المهمة». لا يرى نجّار أن المحكمة معصومة عن الخطأ، ولذلك هو اليوم «مع لبننة الاتفاق معها واحترام السيادة اللبنانية».
أمر آخر سيذكر التاريخ أنه حصل في ظل ولاية نجّار في وزارة العدل، هو الحكم القضائي الشهير الذي أصدره القاضي جون القزي، حيث منح امرأة لبنانية حق نقل جنسيتها إلى أولادها. حكم كان فريداً من نوعه في تاريخ لبنان، وقد نال القزي لأجله جائزة حقوق الإنسان. إلا أن الفرحة لم تكتمل، فقد استؤنف الحكم وأُسقط قضائياً. أكثر من ذلك، ففي ظل ولاية نجّار أيضاً، أحيل القاضي المذكور على هيئة التفتيش القضائي وعوقب وحورب. اليوم، يقول نجّار إنه يتفق بالمبدأ مع روح الحكم القضائي الذي صدر آنذاك، لناحية حق المرأة في منح جنسيتها لأولادها، إلا أنه يعلل إسقاط حكم القزي بأنه «ليس للقاضي حق التشريع، وما حصل آنذاك كان تشريعاً». حسناً، ألا يمكن عدّه اجتهاداً؟ يجيب: «كلا ليس اجتهاداً أيضاً. وعلى كل حال أنا كنت ضد أن يعاقب ذاك القاضي وأن ينقل من المكان المعيّن فيه، ولكن هذا شأن قضائي محض، وقد حكم فيه مجلس القضاء الأعلى، وأنا لا أستطيع أن أرغم هذا المجلس على فعل شيء».
يُسجّل للوزير نجار، خلال تجربته في وزارة العدل، أنه كان الوزير الأول الذي يوقّع على مذكرات الجلب بحق معمّر القذافي ومعاونيه، الذين صدر بحقهم قرار اتهامي أمام المجلس العدلي في قضية تغيبب الإمام موسى الصدر ورفيقيه، وذلك بعد 33 عاماً على بدء القضية. يقول نجّار عن هذا الموضوع، لقد «عرفت الإمام الصدر عن قرب، وكنت من الذين وقّعوا معه مانيفيست المحرومين عام 1966، ولكن «يا عيب الشوم» كيف أُهملت هذه القضية لسنوات طويلة. لقد أعدت فتح القضية، وأنا الوزير المسيحي، وذلك بعد طول مماطلة وتقاعس من مسؤولين وقضاة».
ماذا عن القضاء اليوم؟ الكل يقول إنه واقع تحت تأثير السياسة. كيف السبيل برأيك إلى الخروج من هذه المشكلة؟ لا يجد نجّار غضاضة في الاعتراف بأن القضاء «لا يزال متأثراً في بعض مرافقه بالسياسة، والسبب واضح، تدخّل السياسيين وقابلية بعض القضاة». هكذا، يذهب وزير للعدل ويأتي آخر، ويتحدثون عن المشكلة نفسها، فيما يبقى القضاء، الذي يفترض أنه سلطة مستقلة بحسب نص الدستور، رهينة أهواء الزعماء والسياسيين. يتحدث نجّار عن المراكز القضائية التي حصل عليها «خلاف وتوافق» في التشكيلات التي حصلت في عهده؛ رئيس محكمة التمييز والمدّعي العام لدى هذه المحكمة، رئيس هيئة التفتيش القضائي، مجلس شورى الدولة، مفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكرية والنيابة العامة المالية، هيئة القضايا وهيئة التشريع والاستشارات، بل إن «الخلاف والتوافق» شملا أعضاء هذه الهيئات أيضاً. إذاً، المسألة أكبر من وزير، فهي مشكلة بلد بحاله، بل «مشكلة في ذهنية المسؤولين ومعهم بعض القضاة والموظفين، وقد كنت واعياً لكل هذا التدخل الحاصل، ولذلك قلت للسياسيين أكثر من مرة، ارفعوا أيديكم عن القضاء. أقول إن المسألة في الذهنية التي تحتاج إلى إصلاح، فلا يكفي أن يسنّ قانون في هذا المجال». يضع نجّار هذه المشكلة في سلة المشكلات التي لم تُحل في عهده، والتي ما زالت «تسبّب غصة وألماً، وقد حاولت وسعيت إلى تعزيز القاضي لكي لا يتسكّع عند أحد، ولكي لا يقبل هدية أو إغراءً أو عزيمة اجتماعية».
«نقطة سوداء أخرى» في لبنان لم يستطع نجّار القضاء عليها، تتمثل في البطء في المحاكمات الجزائية ومشكلة التوقيف الاحتياطي. يقول «للأسف، هناك أكثر من ثلاثة أرباع السجناء موقوفون احتياطياً بلا أحكام، وبعضهم قد أمضى في السجن أكثر من فترة الحكم الذي سيصدر لاحقاً». ويلفت الوزير، المحامي، إلى أن هذا ما حدا به إلى الحثّ على تقصير مدة العقوبة، مع موافقته على أن تصبح سنة السجن 9 أشهر بدل 12 شهراً، إضافة إلى السعي إلى تعديل المادة 108 من قانون أصول المحاكمات الجزائية لتحديد واضح لمدة التوقيف الاحتياطي. مسألة أخرى «جاهد» نجار لإنجازها، ويعيش اليوم «همّاً كبيراً حيالها»، هي مسؤولية السجون، التي ستنتقل إلى وزارة العدل من وزارة الداخلية في أواخر عام 2012، والتي «يجب أن تكون همّ كلّ وزير يأتي من بعدي». ويضيف بشأن هذا النقطة قائلاً: «السجون أسوأ قطاع لدينا، وقد وضعت مشروع قانون لإنشاء مديرية عامة للسجون، على أن يكون على رأسها شخص متخصص. سيبقى الأمن بيد قوى الأمن الداخلي في السجون، ولكن على أن يعاد تأهيل هؤلاء لتكون لديهم خبرة في التعامل مع السجناء». أما في موضوع التعذيب، فيعترف الوزير بأن الواقع المزري ما زال قائماً، إذ «لا احترام لحقوق الإنسان الموقوف، لا للبناني ولا حتى للاجئين الذين يُتعامل مع بعضهم كحيوانات في زريبة، فضلاً عن التعذيب المعنوي الذي يلحق بهم، فهذه أمور موجعة لا يمكن القبول بها، وقد جهدنا في مكافحتها».




سيرة

ولد إبراهيم ألبير نجّار عام 1941 في مدينة طرابلس ـــــ شمال لبنان. درس الحقوق في لبنان ونال الإجازة عام 1963. باشر على أثرها العمل محامياً، قبل أن ينال الإجازة الفرنسية في الحقوق بعد عام على الأولى. وفي عام 1964 حصل على دبلوم الدراسات القانونية العليا، ثم أصبح بروفسوراً أصيلاً لدى كلية الحقوق والعلوم السياسية في الجامعة اليسوعية في بيروت منذ عام 1969. أصبح أستاذاً زائراً لدى كليات الحقوق في فرنسا (باريس1، باريس2، تولوز، نانت). ألّف أكثر من كتاب وأطروحة، أبرزها «آثار الزواج على جنسية المرأة وأولادها» (1964). وكان عضواً في لجنة الإصلاح الدستوري المنبثقة عن مؤتمري جنيف ولوزان (1984ـــــ 1985)