أنسي الحاج

اجتمعتْ بَقيّتنا هناك. لم يكن سوى المكان جديداً: قاعة الألومناي كلوب في شارع الحمرا. المناسبة: مبادرة دار نلسن، بهمّة سليمان بختي، إلى إعادة طبع العدد الأول من مجلّة «شعر» (شتاء 1957) في إطار «بيروت عاصمة عالميّة للكتاب». شيخنا أدونيس، أستاذنا شوقي أبي شقرا، وَفِيّنا فؤاد رفقه، أطيبنا نذير العظمة، مُخانِقُنا رياض نجيب الريّس، بالإضافة إلى مهى الخال وشقيقتَي يوسف الخال وزوجة شقيقه رفيق، والفنّان رفعت طربيه الذي قرأ من شعر يوسف، وأرملة أسعد رزّوق التي قرأت من كتابه «حصاد الخمسين» مقطعاً عن المجلة وعن يوسف وأدونيس، فضلاً عن رهط من أهل الأدب والفكر، وقد خيّم على المكان طيف الأب الروحي والحاضن الحبيب يوسف، فاتح الدروب وكاهن الأبرشيّة.
قيلت كلمات، والأهمُّ تَلاقى متباعدون، وعادت صورة المجلّة التي نقشت غزوتها على صخرة نهر الحياة، تُظلّل مَن دعاهم أدونيس في كلمته البليغة «المتنابذين»، فلا تَنابُذ إلّا في الجرائد، وأمّا في الشعر فأطهار، كانوا هكذا منذ فجر الأشياء وسوف يبقون، ولو ظنّوا أنفسهم أحياناً شياطين.
تحيّة سليمان بختي الودودة، قصيدة نذير العظمة العاصفة، ذكريات رفقه الدامعة عن مرض يوسف، كلمة أدونيس التي أثارت، على عادته، بضع قضايا، لعلّ أخطرها الحضور المسيحي بالمعنى الثقافي في الأدب العربي ودور يوسف الخال فيه، كلمة أبي شقرا المنسوجة، على عادته أيضاً، بلطائف الذكريات في لطائف الكلمات، وكلمة مهى التي لم تطلب لزوجها شيئاً أكثر من قبر، وكلمة لأتيل عدنان في مديح انفتاح يوسف، وكلمة رياض الريّس الذي، هو أيضاً على عادته، لم يلقِ إلّا القنابل، وقد بدأها بالكلام المقصود به عكسه، ثم عوّض بالختام حين سطع صدقه كالبرق: «أوصاني يوسف قبل موته أن لا أتخانق مع أدونيس». وطبعاً أكثر من تَخانق معهم كان أدونيس، ولعلّهما ما زالا، لحسن حظّ الحيويّة الصحافيّة والظُرْف.
حاولتُ في ارتجاليّتي أن أكون صادقاً. قلتُ ما خلاصته إنّي، من جهتي كأحد المساهمين في مغامرة «شعر»، نادم. نادم على ما فعلتُه لأنّي كنتُ أودّ لو يبقى وَقْفاً عليّ ولا يشاركني فيه أحد، ولا يتخطّاني أحد. لكن هذا لم يحصل بالطبع، لأن هذه هي الحياة، «مع الاسف».
بعض الصحف نقل الكلمة مبتورة، فحين قلتُ إن مساهمتي في المجلّة هي ما كتبته فيها ولا دور مخفيّاً، سمع مندوبها أنّي «ما ساهمتُ فيها». وسمع كلامي أنّي نادم على ما فعلته (أي إسهامي في تأسيس قصيدة النثر) هكذا: «وأنا نادم اليوم لعدم مساهمتي فيها» (أي المجلّة). ولم يُفهم القصد من مطلع كلامي.
كانت الفكرة ـــــ وقد حالت وهلة الارتجال دون إيصالها بوضوح ـــــ أن الله حين خلق الإنسان ربّما أراد أن يحتفظ لنفسه بامتياز الخَلْق، ولو شاء أن يزيد عدد البشر لصنعهم بنفسه كما صنع آدم وحواء. صَدَمَتْه مبادرة آدم وحواء إلى خلق ذريّة بنفسهما. لعلّه كان ينوي تأهيل الجنّة ببشر خالدين أو شبه خالدين لا أن ينتزعوا منه السلطة (أو المتعة) ويتناسلوا بأنفسهم. الفكرة، استطراداً، أن كلّ بداية تحمل لعنتها، فهي تَسْكر بانبثاقها وتتوهّم أنها ستظلّ وحيدة نوعها، لكنّها لا تكون سوى باب ينفتح. والمشكلة ليست أن ثمّة ما سيدلف من الباب، بل ما سينكر سابقه، أو لا يدري بوجوده، أو يتجاوزه جاعلاً البداية مجرد تاريخ يوطّئ لتاريخ يوطّئ لتاريخ...
نحن الذين يسمّونهم اليوم روّاداً، شَعَرَ حيالنا مجايلونا بالكراهية لأنّنا أقلقنا راحتهم بنشازنا وصفاقتنا، وتوجَّس منّا الحكماء لأنّهم علموا أنْ ليس لنا من التواضع ما يلجم اندفاعتنا، وتنظر إلينا الأجيال اللاحقة تارة نظرة الشباب إلى الشيخوخة، وطوراً نظرة نافد الصبر إلى مَن يسدّ عليه الطريق. أمّا نحن بعضنا تجاه بعض فقد صارت شهادةُ وفاءٍ أو حبٍّ صغيرة من واحد لآخر تبدو كالمعجزة أو الفضيحة. وإنّي لأتساءل هل من شعرة تفصل حقّاً بين الكتابة والنرجسيّة؟ لا أظنّ. بل أؤمن بأن لا كتابة أدبيّة (ولا فلسفيّة) بلا نرجسيّة. الأسوأ ليس النرجسي بل النرجسي المرتاح إلى وضعه، عابداً ذاته على عرشها. هذا أكثر ما لا أحبّه في جبران وسعيد عقل وخليل حاوي، على سبيل المثال. وهذا أشدّ ما أكرهه في نفسي، وما زلتُ أحاول أن أكافح ضدّه.
النرجسي المدمَّر، الممزَّق، النرجسي الهالك المعقَّد ضدّ نفسه، النرجسي الخائض في عراكٍ مستمر مع نفسه لتفتيت أناه حتّى تذوب في الأكبر لعلّ الأكبر يحلّ عندئذٍ فيها، النرجسي المسفِر عن أناه كما يُطْلق المجنون صرخةَ احتراقٍ لا كما يهجم جائعٌ على سلطة، النرجسي الذي يحسب الآخرين جميعاً أفضل منه، النرجسي الذي يخاف ظلّه، النرجسي الذي يكره صورته في الماء، نرجسيّة أبو شبكة، محمد الماغوط، عصام محفوظ، بدايات أدونيس ونهايات يوسف الخال، جانب كبير من شوقي أبي شقرا ولا سيّما النصف الأوّل منه، توفيق يوسف عوّاد القصصي، الأخطل الصغير حين يهتف ساعة تكريمه «أيومَ أصبحتُ لا شمسي ولا قمري/ مَنْ ذا يغنّي على عودٍ بلا وترِ»، فؤاد حدّاد (أبو الحن) في انتحاره المتواصل، فؤاد سليمان (تمّوز) في معظمه، صلاح لبكي المسائي، أمين نخلة الحنون، نزار قبّاني المتيَّم، محمود درويش المستوحد، منصور الرحباني في تكسّراته لا في تضخّم اعتزازه، عاصي الرحباني في كلّ ما لحّن ومعظم ما كتب، توفيق صايغ في تناقضاته وفي غربته، زياد الرحباني على مسرحه الأنتي كل شيء، بول إيلوار الذائب، أبوللينير الدرويش، بودلير الطفل الشرّير، رمبو المنسحب، أوسكار وايلد بعد السجن، ولن أذكر أحداً من أجيال الأدباء العرب اللاحقة لمجلّة «شعر» لأنّي لا أعرفهم كلّهم، وبينهم عدد من مصلوبي الذات، الواعين خطر عقدة المتنبّي، وهؤلاء فيهم الخير وبهم الاستبشار، هذا النرجسي النازف هو القربان الصالح للكتابة.
وأكثر ما أضرّ بالكتّاب، الصحافة. لأنها سلطة. أو هكذا فهمناها. أُخذتْ كبديل من الخنجر والمسدّس. كفحولة. صُفّيتْ عبرها الحسابات ـــــ وأحياناً بأحطّ معنى لكلمة حسابات ـــــ وبُنيَتْ تماثيل. لم يَنْجُ أحد من فَخّها. الصحافة كالاستخبارات، يجب أن لا تُسلّم مقاليدها إلّا للأكثر نبلاً، لأن استعمالها للضرر من أيسر الأمور.
ويجب الكفّ عن استخدام لفظة إبداع. لو صَدّقنا الصحف والشاشات لكان المبدعون في عالمنا العربي بالملايين. صرف ليوناردو دا فنشي سنوات لإنجاز المونا ليزا. موزار مات قبل أن يكمل جنّازه. كل أشعار بودلير في كتاب واحد. معظمنا لا يُذْكَر له سطر، معظمنا لم يفعل شيئاً غير الضجيج. ما يستحقّ فينا النظر قلّما يَستوقف. لا نستوقف إلّا بالقشور. دور النشر لاهية عن واجبها. النقد شبه معدوم. هل تتوافر في المكتبات مؤلّفات مَن نرغب حقّاً في مطالعتهم (وفي المطالعة عنهم) أم كتب الدين والسياسة وسِيَر الذين يضعون سِيَرهم بأنفسهم أو بأقلام مريديهم؟ في الستّينات من القرن الماضي حاولتُ أن أؤسّس لدار النهار الحديثة النشأة سلسلة تتشبّه بسلسلة «البلياد» الفرنسيّة، فتنبش جميع آثار الأدباء اللبنانيين والسوريين (كبداية) وتنشرها مؤرَّخة مفسَّرةً منقودة ومقيَّمة. وافق غسّان تويني على الفكرة، والتمويل لم يكن عقبة، لكن العقبة كانت الأدباء. لم أعثر إلّا على اثنين تحمّسا، واحد لآثار جبران وآخر للشدياق، وكلّ منهما اشترط منحه سنتين على الأقلّ لإنجاز مهمته. الباقون ذُعروا وفرّوا فسقط المشروع. الذاكرة كلّها مفقودة. واليوم كُتُب تتراكم فوق كتب ولا مَن يقرأ ولا مَن ينقد. حمّام مقطوع المياه. الحاجة إلى سلطة معنوية تعلو على سلطات الانتهازيّة والابتزاز وتفرض هيبة القيمة والمعنى، نعم بكل بساطة، القيمة والمعنى، فلم يعد أحد يعرف ماذا يقرأ ومَن يُصدّق، وباتت ثقافة الناس محصورة بالأغاني، وإذا ترقَّتْ فبالمسلسلات التلفزيونيّة.
إنّ ما صَنَعَ التاريخ الأدبي والفنّي ليس العبقريّة ولا الظروف الموضوعيّة بل الرسوليّة أوّلاً. كانت الذات دوماً حاضرة، طبيعي، لكنّها كانت ذات وَهْبِ الذات بأقصى ما يكون من الحبّ. ولم يكن جدالٌ في الموهبة ولا في العبقريّة، فقد كانتا أضعف الإيمان.
■ ■ ■
كان الغائب الأكبر عن الاحتفال جيل الشباب. لعلّه ظنّ أن مؤسسي مجلّة «شعر» ماتوا جميعاً. بمعنىً ما صحيح. ماتوا على الأقل بفعل أماني الشباب. كما مات آباؤنا وأجدادنا فينا لمّا بدأنا.
تحيّة لهؤلاء الشباب. ليتنا مثلهم لا نختنق بالذكريات بل ننجرف معهم إلى المجاهل. إلى الأمام أيّها الغزاة. لا تصدّقوا الماضي، حتّى لو كان صحيحاً. انكروه. لا ترأفوا. اقتلونا، تَبّاً لكم!



سهرة عند هدى

تربطني بهدى النعماني صداقة قديمة اجتازت بأمان، وعلى بركات أصالة خُلُقها، مختلف الظروف. كانت هدباء ابنة نزار قبّاني تقول إنه بعدما أصيب نزار بمرضه القاتل لم ينشغل عليه بالٌ كبالِ هدى. «للعصفور العش، للعنكبوت النسيج، للإنسان الصداقة» يقول وليم بليك. ولا تكتفي هذه الشاعرة الرسّامة الرشيقة حتّى في غوصها تحت بحيرات صوفيّةٍ تُريها ما لا يُرى وتبقيها في حالة من الانصلاب بين قلق وفرح، لا تكتفي بأن تكون قدوة للصداقة الشخصيّة بل تمضي إلى فعل صداقة عامّة، فتجمع بين الأصحاب وتوثّق العرى وتبني الجسور، كلّ هذا وهي في الصفوف الخلفيّة من اللوحة يكاد لا يُحَسُّ لها وجود. ولا يندر أن تجتمع عليها، ولو ببراءة، صداقة من صنْع يديها.
تشعر هدى بالمسؤوليّة عن الأقربين وكذلك عن الأبعدين، ومن فرط اهتمامها يُخيّل إليك أنها لا تنام. وفي صالونها يعود الجميع أولاداً ويسطعُ نورٌ لا تُعْرف قيمته إلّا بعد العودة إلى الواقع.
أنا وصديقي شوقي أبي شقرا لم يفرّقنا يوماً سوى غبار، ومع هذا ما كان ليجمعنا تلك الجَمْعَة المجلوّة العذبة مع سائر الإخوة غير هدى، هدى ذات القلبين: واحدٌ للرؤيا وآخر للأصدقاء. لا يقال للطيبة أن تكون بل يُسْتَسْلَم إليها، وبدونها اليُتْم. الطيبة في منزل هدى هي الطقس والهواء، وكلّ ما سواها يبدو اعتداءً.
كتب شوقي في «البناء» عن هذه السهرة ما لا يعرف أن يكتبه إلّا هو، بلغته المُنْعَم عليها، والتي تبني على الحرير ما هو أصلب من الصخر وعلى النسيم ما هو أَمْوَج من الروح.
يُقال عن سهرة عند هدى النعماني ما يقال في حَدَث ذَوقيّ، كأنّها استحداث واحةٍ في صحراء. لقد باتت المجتمعات الأدبيّة أحوج إلى المحبّة منها إلى الكُتُب.