النوي بن مصطفى ضو «معارض» تونسي، يعيش في لبنان خوف الترحيل إلى بلده نظراً إلى «العذاب» الذي ينتظره على يد النظام «البوليسي». يقول إن دولته حرمته من جواز سفره فبات عاجزاً عن تجديد الإقامة. ينفي السفير التونسي كلام مواطنه ولا يرى فيه سوى «ترهات وكلام فاضي»


محمد نزال
قبل نحو 22 عاماً، فُصِل التونسي النوي بن مصطفى ضو (45 عاماً) من عمله في مؤسسة تابعة لوزارة الفلاحة التونسية، وذلك لأنه «لم يكن مرغوباً فيه هناك وربما لأنه كان ملتحياً، ومتهماً بالانتماء إلى حركة النهضة المعارضة». هذا ما رواه الرجل التونسي لـ«الأخبار»، كان يتحدث عن قصته «المأسوية» وما آلت إليه أخيراً، علّ السلطات الرسمية في تونس أو في لبنان، أو أي من المنظمات المعنية، تجد له حلاً.
بعد فصله من العمل، بدأت المضايقات «البوليسية» تنهال عليه من كل حدب وصوب، تنوعت المضايقات بين تحقيقات مستمرة ودسائس واعتقالات وما شاكل. ضاق ذرعاً بهذه الحال، فسافر إلى ليبيا، لكن الحال لم تكن فيها أفضل. قصد تركيا ثم سوريا، والمضايقات لم تنته، إلى أن أخبره البعض بأنه ليس لك سوى لبنان «بلد الحريات»، فجاء إلى بلاد الأرز.
يقيم النوي في لبنان بطريقة شرعية منذ نحو 20 عاماً، وقد عمل في أكثر من مؤسسة ذائعة الصيت، ولم تُسجّل في حقه أي مخالفة تُذكر. احتاج قبل أشهر إلى تجديد الإقامة، كما فعل سابقاً لأكثر من مرة، لكن المسؤولين في الأمن العام أعلموه بضرورة تجديد جواز السفر التونسي لكي يجددوا له الإقامة. قصد سفارته في بيروت، وقدم كل المستندات اللازمة لإنجاز هذه المعاملة الإدارية السهلة. غير أن 4 أشهر مضت، من دون أن يحصل على «حقه» في أن يكون مواطناً ينتسب إلى دولة عربية، ويحمل جواز سفرها.
يقول النوي إنه راجع سفارة بلاده واستسفر عن سبب التأخير، فأجابوه بأن «الأمر يتعلق بالإدارة في تونس والمعاملة عالقة هناك، فراجعهم أنت شخصياً في الأمر أو اتصل بهم». وهكذا، اتصل بوزارة الداخلية في تونس وسأل عن جواز سفره، لكن الجواب الذي سمعه وقع على رأسه كالصاعقة... «أنت خائن وعميل، وأمثالك لا يستحقون حمل الجنسية التونسية».

طلب منه الأمن العام تجديد جواز السفر التونسي ليجددوا له الإقامة
يقول النوي «كأني اليوم بلا جنسية، تائه لا أعرف إلى أين أذهب، خائف من أن يرحّلني الأمن العام إلى بلدي، وهناك قد يسلخون جلدي عن عظمي»، يضيف مكابراً، يخنق الدمع في عينيه «قصدت مفوضية اللاجئين، لكنهم طلبوا مني إثبات أني لاجئ حتى يعطوني بطاقة لجوء، ولكن كيف ذلك، هل أقول للنظام التونسي أعطوني مستنداً يؤكد أني لاجئ؟». يشيد النوي بالمسؤولين في الأمن العام اللبناني «الذين تعاملوا معي بإيجابية بالغة، وقالوا لي فقط جدّد جواز سفرك وستأخذ الإقامة من عندنا مباشرة، ولكن بغير هذه الحالة لا يمكننا فعل شيء، سنضطر إما إلى خيار السجن أو الترحيل». من جهته، يشيد مدير المؤسسة التي يعمل فيها النوي بموظفه، الذي «نأتمنه» منذ 16 عاماً، لكن لا يمكنه الاستمرار في العمل بلا إقامة.
إذاً، ضاقت بالمواطن التونسي السبل، فهو اليوم يعيش الخوف كل لحظة، الخوف من السجن أو الترحيل، والخوف من طرده من السكن الذي تؤمنه له المؤسسة التي يعمل لديها، فيصبح شريداً في الشوارع بلا مأوى.
اتصلت «الأخبار» بسفير تونس في لبنان سمير عبد الله، واستفسرت منه عمّا قاله النوي، وعن سبب حرمانه من جواز سفره، فأجاب السفير عن الأسئلة، لكنه قبل ذلك أشاد بـ«فرادة العلاقات التونسية ـــــ اللبنانية». اعترف بأن النوي قد تقدم إلى السفارة بطلب تجديد جواز السفر في شهر نيسان الماضي، وأنه أحيل إلى الإدارة المعنية في تونس لبتّه، مشيراً إلى أن الكلام على منع جواز السفر عن النوي مجرد «كلام ترهات». ولكن ما سبب التأخير؟ يجيب السفير بإجابة غير واضحة: «هو كسائر المواطنين، يتقدم بطلب ونحيله إلى تونس، ليس لدينا خلفية سياسية عنه، وغير ذلك كلام فاضي، الرد عليه سيكون على مستوى إداري بحت». يستفيض السفير في شرح سياسة عمل السفارة في لبنان، فيؤكد أن «التعامل هو مع مواطنين، لا مع توجهات سياسية، نحن ننطلق من مفهوم المواطنة بتونس».
اتصلت «الأخبار» بالمسؤولة الإعلامية في المفوضية الدولية لشؤون اللاجئين، لور شدراوي، وسألتها عن سبب عدم منح اللجوء للمواطن التونسي المذكو. لفتت شدراوي إلى أن سياسة المفوضية تقتضي عدم نشر تفاصيل أي طلب لجوء يصل إليها. وكان النوي قد عرض على «الأخبار» نسخة من وثيقة مؤقتة حصل عليها من المفوضية سابقاً، من دون أن تمنحه المفوضية لاحقاً بطاقة لجوء رسمية.
تشرح شدراوي الآليات المعتمدة في منح بطاقات اللجوء أو رفضها، فتشير إلى مقابلات يجرونها في المفوضية مع طالب اللجوء، يُسأل فيها بضعة أسألة للتأكد إذا كان ينطبق عليه «تعريف اللاجئ». وخلاصة هذا التعريف أن الإنسان لا يكون قادراً على العودة إلى بلده، لسبب ما يعرضه للاضطهاد، إما بسبب ديني أو رأي سياسي أو بسبب جنسه أو لأنه ينتمي إلى فئة اجتماعية معينة.


سياسة «كمّ الأصوات»

صدر قبل 3 أيام تقرير عن منظمة العفو الدولية، وجاء في مقدمته أنه «يوثّق المعاناة اليومية التي يكابدها التونسيون، ممن يقدمون على انتقاد السلطات، بما في ذلك اختراق جماعات حقوق الإنسان ومضايقة النشطاء». التقرير الذي حمل عنوان «تكميم الأصوات المستقلة في تونس» إلى قيام السلطات التونسية بـ«تفتيت منظمات حقوق الإنسان في تونس، ومنظمات مستقلة قد تعرضت لعمليات انقلابية نظمها مؤيدو الحكومة». وقالت حسيبة حاج صحراوي، المسؤولة في المنظمة الدولية، إن «هذه الأساليب التخريبية تحظى بالموافقة والقبول، على ما يبدو، من أعلى المستويات في تونس. ويُتهم نشطاء حقوق الإنسان والمعارضون بعدم الوطنية وبالتخلي عن شرف الانتماء إلى تونس، ثم يتعرضون بعد ذلك للمضايقة والترهيب».


لقطة

توفّي والد النوي عام 2005، فقرر المغامرة والسفر إلى تونس للمشاركة في العزاء. يروي أن الأجهزة الأمنية استقبلته في المطار بتحقيقات موسعة، وقد بقيت أغراضه محتجزة في المطار مدّة 4 أيام. ومنذ وصوله إلى المنزل، بدأ يرى رجال الأمن يراقبونه لحظة بلحظة في كل حي وزقاق، وقد اقتيد إلى التحقيق أكثر من مرة، وأخيراً اعتقل لأيام حيث «سرق» رجال الأمن منه مبلغ 10 آلاف دولار كان بمثابة «تحويشة العمر». لم يستطع النوي الخروج يومها من تونس إلا من خلال «رشوة» أحد الأمنيين، الذي سهّل له المرور من المطار إلى لبنان، بعد مكوثه في زنزانة المطار الانفرادية مدّة 3 أيام. يناشد النوي بن مصطفى ضو اليوم المنظمات المعنية والجمعيات الأهلية، ويطلب المساعدة والحماية، و«إن كان لا بد من الترحيل، فإلى أي بلد سوى تونس».