تونس | كشف فيديو رُوِّج أمس، على صفحة التواصل الاجتماعي «الفايسبوك»، النيات الحقيقية لحركة النهضة الحاكمة في تطبيق الشريعة الإسلامية وإقامة الدولة الإسلامية في تونس، وهو ما سبّب صدمة للذين راهنوا على إيمان الحركة وتبنيها للدولة المدنية. ونقل الشريط المسرب، الذي صُوِّر سرّاً، حواراً بين زعيم حركة النهضة، راشد الغنوشي وأحد قادة السلفيين، يتناول مشروع النهضة في السيطرة على مفاصل الدولة التونسية. وأوضح الغنوشي في حواره أن النهضة وصلت إلى الحكم، لكنها لم تسيطر على الدولة، داعياً السلفيين إلى التريث قليلاً إلى أن تتم السيطرة على الجيش وعلى المؤسسة الأمنية التي رأى أن الرجل القوي في النهضة، علي العريض، لم يتكمن إلى الآن من السيطرة عليها بسبب النفوذ الذي يتمتع به حتى الآن أنصار النظام السابق من المعادين للإسلام والمدافعين عن العلمانية.

كذلك شدد الغنوشي على ضرورة السيطرة على الإعلام وعلى الاقتصاد لتصفية الإرث القديم المقصود به مدنيّة الدولة من أجل إقامة الدولة الإسلامية. ونبه الغنوشي إلى أنه إذا لم تتم السيطرة على مفاصل الدولة، فلا شيء يمنع عودة اضطهاد الإسلاميين كما كانت الحال قبل الثورة، وأعطى مثالاً على ذلك ما حصل مع الحركة الإسلامية في الجزائر، التي جرت تصفيتها والتضييق عليها رغم نجاحها في السيطرة على الشارع والفوز في الانتخابات سنة ١٩٩١.
بالمقابل، دعا الغنوشي السلفيين و«أنصار الإسلام»، كما سماهم، إلى تأسيس الجمعيات الإسلامية والمدارس القرآنية «لنشر الإسلام»، في انتظار أن تسيطر النهضة على مختلف أجهزة الدولة. وكشفت تصريحات الغنوشي عن حقيقة تصور النهضة للدولة وأن حديث قياداتها عن الدولة المدنية والديموقراطية والتداول السلمي للسلطة ليس إلا ذرّ رماد في العيون وتسويقاً للغرب. وكشف الفيديو عن حقيقة العلاقة العضوية بين النهضة والسلفيين.
وسارع الناطق الرسمي لحزب «التكتل من أجل العمل والحريات»، الشريك في الحكم، محمد بنور، إلى إدانة تصريحات الغنوشي التي عدّها خطيرة جداً على مستقبل البلاد وأمنها ومصالحها العليا واستقرارها.
الفيديو المسرب يبدو أنه ستكون له تداعيات خطيرة على الحياة السياسية التونسية وعلى شعبية الحركة الحاكمة وثقة التونسيين فيها التي بدت في تراجع واضح. وجاء تسريب الفيديو في وقت دقيق بالنسبة إلى مسار الانتقال الديموقراطي الذي تطالب فيه مختلف القوى السياسية بإيجاد صيغة للتوافق بين الفرقاء السياسيين. ومن شأن الفيديو أن يعيد ترتيب المشهد السياسي في البلاد، وسيضاعف من الضغوط التي تواجهها النهضة وطنياً ودولياً بسبب موقفها من السلفيين وبسبب تعثّر الأداء الحكومي وتفاقم الأزمة الاقتصادية والاجتماعية.
ويبقى السؤال الذي لا شك في أن قيادات حركة النهضة يتداولونه الآن: كيف تسرب الشريط إلى «الفايس بوك» ومن كان وراء تصويره؟ فهذا الشريط من شأنه أن يدفع القوى الدولية المساندة للتجربة الديموقراطية في تونس إلى إعادة النظر في الكثير من المعطيات، وخاصة مسألة الشريعة الإسلامية التي تخلت عنها النهضة ظاهرياً، لكن تصريح الغنوشي أكد التزام الحركة بها، وهي مسألة جوهرية بالنسبة إلى الداعمين الدوليين.