الخرطوم | بينما كانت السيارات السوداء الرباعية الدفع تشق طريقها إلى خارج مطار جوبا بصعوبة، اكتفى رئيس دولة جنوب السودان، سلفاكير ميارديت، العائد من أديس أبابا، بعد أيام من المفاوضات مع نظيره السوداني عمر البشير، بالتلويح بيده لآلاف المؤيدين للاتفاق الذي وقعه الرئيسان ووضع حداً لعدد من القضيا الخلافية. في المقابل، كانت هناك، في الوقت نفسه، مجموعة لا يستهان بها من القيادات العسكرية والسياسية الجنوبية، تعقد مؤتمراً صحافياً، أعلنت خلاله معارضتها القاطعة للاتفاق، ولا سيما لشقه الأمني، الذي نص على انسحاب ثنائي الجانب من منطقة الأربعة عشر ميلاً المتنازع عليها بين الدولتين على تخوم شمال بحر الغزال لناحية جنوب السودان وشرق دارفور ناحية السودان. المجموعة المعارضة للاتفاق، التي يغلب عليها طابع العسكر، يترأسها الجنرال بول ملونق أوان، حاكم ولاية شمال بحر الغزال.


والأخير هو من أبرز القادة العسكريين في الجيش الشعبي لتحرير السودان (جيش دولة جنوب السودان). وأعلن ملونق أوان رفض تنفيذ البند الخاص بمنطقة الأربعة عشر ميلاً كمنطقة منزوعة السلاح، بالرغم من أن هذه الفقرة، كانت الأكثر تعقيداً في اتفاق السلام، والأكثر استهلاكاً لوقت التفاوض وجهوده. ملونق حث أيضاً شباب منطقته في بحر الغزال على الانخراط في صفوف «للدفاع عن مناطقهم بما يستطيعون».
أما في الخرطوم، فكان صوت رافضي الاتفاق منخفضاً مقارنةً بمؤيديه. وعمدت السلطات السودانية إلى إسكات صوت رافضي الاتفاق، عبر تشديد الرقابة على صحيفة «الانتباهة»، وهي واحدة من أكبر الصحف المحلية. وتصدر الصحيفة عن حزب «منبر السلام العادل»، ذي التوجهات اليمينية المتشددة، والمعروف أيضاً بمواقفه المعادية لدولة جنوب السودان ولأي خطوات للتقارب معها.
من جهته، سارع رئيس المنبر، الطيب مصطفى، وهو خال الرئيس السوداني، إلى مناشدة الأجهزة الأمنية عبر موقع الصحيفة على الإنترنت بالسماح لصحيفته بانتقاد الاتفاق «لتبصير الحكومة ببعض الهنات (الثُّغَر) التي صاحبت الاتفاق». كذلك صدرت الصحيفة غداة توقيع الاتفاق دون أعمدتها الرئيسية لكتاب أساسيين فيها، اشتهروا بمواقفهم المناوئة للتقارب بين الخرطوم وجوبا.
واستبعد خبير الاستراتيجيات العسكرية، الجنرال الفاتح الجيلي المصباح، في تصريحات لوسائل إعلام محلية في الخرطوم، أي آثار أمنية أو عسكرية لتصريحات حاكم بحر الغزال. واستند في حديثه إلى أن الاتفاق حصل بمشاركة المجتمع الدولي. ولفت المصباح إلى أن «مثل تلك التحركات هي قضايا داخلية تقع تحت مسؤولية للحكومتين في الشمال والجنوب».
وتوقّع المصباح أن تجبر حكومة الجنوب الرافضين للاتفاق على احترامه والموافقة عليه. أما إن سار الأمر خلاف ذلك، فرأى المصباح أنه سيكون بمثابة تمرد جديد على سلطات جنوب السودان.
وكان الاتفاق قد نص على صعيد الوضع الميداني على ترسيم الحدود بوضع العلامات المعدنية على طول الحدود المتفق عليها، التي تشكل ثمانين في المئة من طول الحدود بين البلدين والبالغة نحو 200 كيلومتر. وتهدف هذه الخطوة إلى المساعدة في تحديد الشريط الحدودي العازل بين البلدين، بمساحة عشرة كيلومترات داخل حدود كل دولة. وهي منطقة عازلة تتحرك فيها قوة مراقبة دولية تنشأ خصيصاً لهذا الغرض، تكون رئاستها في مدينة أصوصا الإثيوبية. لكن الحدود، على طولها بين البلدين، ابتداءً من أفريقيا الوسطى غرباً إلى إثيوبيا شرقاً، تعدّ مسرحاً للحركات المسلحة التي تحمل السلاح في وجه الحكومة، سواء كان ذلك في إقليم دارفور غرباً أو في جنوب كردفان والنيل الأزرق، حيث ينشط الجيش الشعبي، الجناح العسكري للحركة الشعبية لتحرير السودان، التي تقاتل الحكومة في المنطقتين. ورغم أن المفاوضات بين الخرطوم ومتمردي المنطقتين ستتواصل قريباً، لكن التوصل لتسوية قريبة أمر مستبعد.
وأقرت وزارة الخارجية السودانية بصعوبات تعترض طريق تنفيذ الاتفاق الذي وقّعته الخرطوم مع جوبا في السابع والعشرين من الشهر الماضي. وأشار المتحدث باسم الخارجية السودانية، المروح عبيد، عقب عودته من أديس ابابا، إلى وجود تحديات تواجه البلدين في تنفيذ الاتفاق. ولفت إلى أن «توافر الإرادة في التفاوض، يشير إلى أن الاتفاقات التسعة التي وقعت ستكون تطوراً فعلياً في علاقات الشعبين».
كذلك أصدرت الحكومة السودانية بياناً تعهدت فيه أنها «ستنفذ الاتفاق نصاً وروحاً»، فيما أكد كبير مفاوضي جنوب السودان، باقان أموم، أن «إنتاج النفط سيستأنف في نهاية العام».