تونس | استطاع وزير الدفاع الأميركي، ليون بانيتا، أن يستعمل زيارته لتونس، أول من أمس، للضغط السياسي على مسؤولي «ترويكا النهضة» لمواجهة «تنظيم القاعدة في بلدان المغرب الإسلامي» الذي تعتبره واشنطن على رأس أولوياتها الاستراتيجية. الزيارة تأتي في وقت تمر فيه تونس بفترة حرجة في الانتقال السياسي، مع سيطرة الإسلاميين على السلطة وبروز بوادر «ديكتاتورية ثيوقراطية» تقول عنها واشنطن إنها «نموذج للديموقراطية في بلدان الربيع العربي»، وفي عصر تشهد فيه العلاقات مع «الإسلاميين المعتدلين» كما يحب أن يسميهم الساسة الأميركيون، مصالحة لم يشهدها التاريخ السياسي لبلاد العم سام. لعل الزيارة روتينية، وتأتي لتعطي صورة أخرى من صور «التقارب البراغماتي» بين «الإخوان» والأميركيين. فبعد زيارات مكوكية لصقور الحركة لواشنطن قبل انتخابات المجلس التأسيسي، حيث تم جس نبض «أمراء الحركة»، أخذت هذه العلاقة طابع الحميمية المُفرطة وبرزت دلالاتها عند زيارة السيناتور الأميركي جون ماكين لتونس، مع العلم بأنه أحد صقور الحزب الجمهوري الأميركي وأحد المحافظين الجدد من أقصى يمين الحزب.


وفي شهر حزيران الماضي، جاء دور «رأس البنتاغون» ليحل في تونس، في توقيت حساس، يأتي بعد أكثر من شهر من «صيحة فزع» كان قد أطلقها وزير الدفاع التونسي عبد الكريم الزبيدي، في 19 حزيران الماضي للاستنجاد بواشنطن لطلب مساعدة أميركية للتصدي لخطر تنظيم القاعدة. وذلك بعد حادثة الاشتباك بين الجيش التونسي ومهرّبي أسلحة أعتُقد أنهم من تنظيم القاعدة.
تلك المساعدة قالت مصادر مقربة إنها جاءت في إطار استخباري، وذلك بتوفير معلومات عن انتشار التنظيم حول الحدود التونسية. لكن يبدو أن هذه المساعدات لن تقتصر على بعض المعلومات، بل ستمتد إلى مساعدات لوجستية ومادية وصفت، حسب بعض وسائل الإعلام الأميركية بـ«الضخمة».
وأشارت شبكة «فوكس نيوز» الأميركية الى أن الإدارة الأميركية اتخذت قراراً يقضي بتقديم مساعدات عسكرية للجيش التونسي، مضيفة إن الرئيس باراك أوباما يستعد لعرض مشروع المساعدات المذكورة على الكونغرس والمسؤولين في البنتاغون لاعتماده، لافتة إلى أن المشروع «سيحصل على الموافقة بالإجماع».
ورغم هذه الصفات، فإن المساعدة العسكرية الأميركية المرتقبة لتونس قد تعدّ الأكبر لدولة عربية في تاريخ الولايات المتحدة، حيث تسربت معلومات لوسائل الإعلام الأميركية تشير إلى أنها تضم 14 طائرة مقاتلة من نوع «أف 16»، و9 مروحيات قتالية متطورة من نوع «بلاك هوك UH-60»، إلى جانب كميات من البنادق والذخائر والسيارات والشاحنات الحربية.
هذه الأرقام والمعلومات تأتي بعد ما قاله القائد الأعلى للعمليات العسكرية الأميركية في أفريقيا (أفريكوم) الجنرال كارتر هام، إن الولايات المتحدة قدّمت لتونس مساعدات عسكرية بقيمة 32 مليون دولار خلال الأشهر الـ 16 الماضية. وذكر في تصريحات في أعقاب زيارته لتونس في 24 نيسان الماضي، أن المساعدات العسكرية التي قدّمتها بلاده لتونس «تضاعفت مقارنة بالسنوات السابقة».
بانيتا، من جانبه، فور وصوله إلى تونس ومن المقبرة العسكرية الأميركية، حيث يرقد 2841 من جنود بلاده الذين قتلوا خلال الحرب العالمية الثانية، قال إن «هناك مجالات معينة يمكن أن نساعد فيها التونسيين» وخاصة منها «تطوير نوعية العمليات والاستخبارات التي تساعدهم بشكل فعال في التصدي لتهديد تنظيم القاعدة». وأضاف إن واشنطن مستعدة أيضاً لمساعدة الجيش التونسي على المستوى «المؤسساتي».
الواضح من كلام بانيتا أن زيارته لتونس، التي تعتبر الأولى لوزير الدفاع الأميركي بعد الثورة، ليست عادية بالقدر الذي أراد فيه إمرار رسائل حول أن تضطلع تونس بدورها في «مراقبة» تنظيم «القاعدة» والتصدي له، فالوزير الأميركي دعا، دول المغرب العربي، ليبيا وتونس والجزائر والمغرب وموريتانيا، إلى «تطوير مجهود إقليمي قوي لمجابهة تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي» وإلى «التأكد من عدم امتلاك قاعدة تشن منها عمليات إرهابية في المنطقة أو في أجزاء أخرى من العالم».
الوزير الأميركي شدد أيضاً على جعل تونس «قادرة على التصدي لكل التهديدات والمخاطر التي تشهدها المنطقة»، وخاصة مع «الخطر الذي يمكن أن يشكله تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي على تونس والمنطقة عموماً، في ضوء ما تشهده مالي من أحداث، واحتضانها لأنشطة مجموعات إسلامية مسلحة»، حسب البيان الذي أصدرته وزارة الدفاع التونسية عقب الاجتماع بين بانيتا ورئيس الحكومة التونسية حمادي الجبالي، الذي أطلع ضيفه على التعاون الاستخباري بين دول المنطقة للتصدي لخطر هذه الجماعات التي ترتبط بالبيعة إلى تنظيم «القاعدة العالمي» الذي يتزعمه أيمن الظواهري.
ولم ينس بانيتا ذكر أهمية نجاح «الأنموذج» التونسي للديموقراطية، والذي ترى فيه واشنطن نجاحاً لاستراتيجيتها في «دمقرطة الدول العربية»، حسبما ورد في أهم بنود مشروعها لنشر الديموقراطية في الشرق الأوسط الكبير. فقد قال الوزير الأميركي خلال لقائه «رئيس قصر قرطاج»، إن «التجربة الانتقالية التونسية تعتبر الأنموذج الأمثل في الثورات العربية»، مؤكداً أن بلاد العام سام ستدعم هذا «الأنموذج» _ على حسب التعبير الأميركي _ بطريقة «لا محدودة»، مشيراً الى عزم بلاده على المساهمة في تأمين شروط الديموقراطية و«الدعم اللوجستي وتبادل الخبرات» في المجال العسكري.
في هذا الوقت، كان كلام المتحدث الرسمي باسم وزارة الدفاع الأميركية جورج ليتل، أوضح عشية وصول بانيتا إلى تونس، حيث قال إن «البنتاغون» يسعى إلى «رسم خريطة طريق للعلاقة العسكرية المقبلة بين واشنطن وتونس». وهنا ينبغي الإشارة الى لهجة رئيس الاستخبارات الأميركية السابق، بقوله «نحن نجهّزكم لتقضوا على التهديدات الإرهابية التي يمكن أن تصلنا من أراضيكم».
هذا المنطق يأتي من خلال قاعدة أساسية من قواعد الاستراتيجية العسكرية، وهي «لكي تضرب القلب يجب أن تضرب الأطراف»، بما يعني في صيغة أخرى: «أنتم في المغرب أول خطوطنا للدفاع عنا وعن مصالحنا» كعالم غربي يدور حول الفلك الأميركي.