الرقة | عشرات علامات الاستفهام وُضعَت حول محافظة الرقّة السورية، على خلفية عدم الانضمام إلى زميلاتها من المحافظات المشتعلة منذ أكثر من عام، رغم أنّ حالة التهميش التي عانتها معظم المناطق السورية تنسحب خصوصاً على المدينة الشرقية، الرقة. مع ذلك، فقد نأت الرقة بنفسها لفترة طويلة، ما جعل النظام يضعها في خانة المدن «المدلَّلة»، حتى نجح أبناء الفرات بقلب الطاولة، فخرج الآلاف في تظاهرات تؤازر باقي السوريين ممن يعانون العنف والعنف المضاد. أسئلة كثيرة تُطرَح حول صمت الرقة وتهميشها، ومن ثم انضمام عدد كبير من أبنائها إلى الحراك، وواقعها بين المدنية والعشائرية، وحدودها مع العراق وغيرها أسئلة لن يجيب عنها سوى أبناء مدينة الرشيد في رحلة طويلة وشاقة.

يبدو خيار السفر إلى المنطقة الشرقية معضلة بحدّ ذاته، وخصوصاً عندما يكون المقصد هو الرقة، المدينة الوحيدة في شرق سوريا التي لا تصلها رحلات الطيران الداخلي بعكس المدن الشرقية الأخرى كالقامشلي أو دير الزور. إذاً، لا حل سوى بالتوجه براً وقطع سبع ساعات للوصول من ضفاف بردى إلى ضفاف الفرات، وهي رحلة ستكون كفيلة بكشف بعض أسرار المدن السورية الأخرى، إذ إن الطريق من دمشق يمر بالبداية بريفها المتمرِّد، فيما تتوالى تغطية الهواتف بين متوفرة ومقطوعة، وتنتشر على الطريق بعض الحواجز، خاصة في الاتجاه العائد إلى العاصمة. تواصل السير لتمرّ بمناطق الريف الدمشقي وجبال القلمون الصخرية القاسية، قبل أن تستقبلك حمص بغابات خضراء ومروج ربيعية ساحرة تخفي وراءها أيام الحصرم الحمصي. ومن حمص التي لا يمر المتجه إلى الرقة في داخلها، تتّجه إلى السلمية في محافظة حماه، ومنها تعبر إلى الرقة التي تبدو فجأة كمدينة في وسط الصحراء، يخترقها نهر الفرات. هناك، يُستقبل الزائر بمسلسلٍ من الحواجز الأمنية يطلب جميع عناصرها بطاقات الهوية لكل القادمين. أخيراً، تبدأ الجولة في شوارع الرقة مع محاولة الابتعاد عن الحواجز قدر الامكان. يأخذنا مضيفنا إلى «ساحة الرئيس»، التي تختصر حال الرقة، كما يقول، وتروي حكاية إهمال واضطهاد ونسيان طويلة، هي وسور الرافقة العباسي، وهو بحد ذاته أيضاً حكاية عنوانها الإهمال بحسب ما يخبرك أهل البلد. أما الساحة ذات الانتشار الأمني الكثيف، فهي عبارة عن تقاطُع لعدة شوارع من مدخل المدينة الجنوبي، حيث ينتهي طريقان من جسرين على النهر، ويخرج شارعان آخران أحدهما يمتد إلى حي الثكنة والمشفى الرئيسي، وآخر يصل إلى منطقة باب بغداد.
في هذه الساحة، يشير الشاب إلى تناقُض صارخ عنوانه الدولة الحاكمة. على يمين الساحة، يقع «المركز الثقافي العربي»، تقابله «دار الحكومة»، ليتجسد التناقُض بين بذخ وفخامة الأول، وترهُّل الثاني وسط مدينة صغيرة تعيش حالاً اقتصادياً أكثر من سيئة، وتفتقر للكثير الكثير، ولم يصلها من دعم حكومي سوى أقل القليل. من هنا تخرج المسيرات المؤيدة للنظام، ومن هنا أيضاً يستهل محاورنا الحديث عن حكايات الرقة. إنها المدينة «المنسيّة من الرب ومن حكام البلاد» على حد وصفه. يقول إن «الجفاف قضى على البلد، ونسف حال الجزيرة السورية اقتصادياً بحكم اعتمادنا على الزراعة والثروة الحيوانية، وهما عماد رئيسي لباقي الموارد الاقتصادية». وأزمة الجفاف التي ضربت البلاد، انعكست على الواقع الزراعي وخلقت أزمة خانقة انعكست بدورها على جوانب الحياة الاجتماعية بالدرجة الأولى. أما القطاع الصناعي، فهو شبه غائب، والتجارة تعتمد بطبيعة الحال على الموسم الزراعي، بالتالي فقد دخل معظم الناس في دوّامة أزمة مالية. أزمة «كان من الممكن أن تُسهِم الحكومة السابقة بالتخفيف من وطأتها، لكنّ غياب البنية المتماسكة للقطاع الزراعي من جهة، وحالة التخبط في إدارة الأزمة والفساد والنهب الشديدَين من جهة أخرى، صبّت الزيت على النار، فهاجر المئات (على أقل تقدير) إلى حلب وحمص ودمشق، بعد فشل الحكومة في تدارك الأمر رغم المساعدات الغذائية والقوانين التي خفّفت من شروط القروض الزراعية». وبحسب إيجاز محدّثنا، فإنّ كلّ ذلك «ضاع في دوامة الفساد، وأضاف إلى رصيد المدينة المهملة مزيداً من مناخات الإحباط والكآبة والضغط، مما كان يرشّح المدينة لتكون على لائحة المدن الأولى المنتفضة مع درعا وحمص وريف دمشق، ولكن هذا لم يحصل».
ناشط آخر من المدينة يؤكد أقوال مرافقنا، ويضيف أن العشائرية التي تغرق فيها المحافظة، وهجرة أغلب شبابها إلى الخارج، وخصوصاً الناشطين منهم، والعزلة والبعد عن التواصل، كل هذا «جعل الحراك في الرقة ضعيفاً، وفتح الباب في المقابل على عشرات المسيرات المؤيدة للنظام، وهو ما جعل السلطة في دمشق تلتفت إليها أخيراً وتضيفها إلى سجلّ المدن الموالية، حتى أنها كافأتها بزيارة خاصة للرئيس بشار الأسد في أوّل أيام عيد الأضحى». زيارة يشير مصدرنا إلى أنها «أعطت الموالين دفعاً قوياً للنزول بكثافة أكبر إلى الساحات، وبالطبع لم ينسَ النظام أن يغازل العشائر التي استمال كثيراً منها في صفه، اعتقاداً منه أنه بذلك سيضمن هدوء المدينة». كل ذلك ترافق، وفق محدِّثنا المعارِض، مع تشديد للقبضة الأمنية، واعتقال معظم مَن حاولوا تحريك الشارع الرقاوي، و«رغم كل ذلك، شهدت المدينة عشرات التظاهرات الطيارة المعارضة». ما الذي تغير إذاً؟ يجيب ناشط آخر شارحاً أنّ «التنسيقيات» حسمت أخيراً قرارها بالتحرك بزخم كبير، فكثّفت الدعوات السرية للتظاهر، ونجحت أخيراً، وعلى مدى ثلاثة أيام في مطلع شباط الماضي، «بإشعال الشوارع الرقاوية بالآلاف من المتظاهرين الذين بدت أجهزة الأمن مذهولةً أمامهم» على حدّ تعبيره. ويشدّد الشاب نفسه على أن «التظاهرات كانت سلمية، ولم يكن هناك أي تواجد للجيش الحر، وهذا بحد ذاته ساعدنا كثيراً إذ لم يسقط سوى شهيد واحد». لكن النتيجة كانت بـ«دخول الجيش للمدينة للمرة الأولى في شباط منذ بدء الثورة، وهو ما نتج منه تشديد أكبر للقبضة الأمنية أفضت إلى هدوء نسبي كان أقرب إلى هدوء ما قبل العاصفة، بما أن الزخم عاد إلى الشارع الفراتي مجدداً في 15 آذار الماضي، في ذكرى انطلاقة الحراك السوري، حيث قرر المتظاهرون التحرك نحو ساحة الرئيس لإزالة تمثال ضخم للرئيس الراحل حافظ الأسد». ويتابع مصدرنا أنّ هذه الحادثة كانت كافية لـ«يجنّ جنون الأمن، وليطلق النار بشكل عشوائي سقط على اثره أحد الشهداء الذي تمّ شُيّع في اليوم التالي بأعداد ضخمة». ووفق الناشط نفسه، كانت المفارقة أن «الأمن لم يطلق النار على المشيعين الذين عادوا لإسقاط التمثال، عندها عاود الأمن إطلاق النار بشكل هستيري، وأحاط بالتمثال بشكل كبير ليسقط عدد من الشهداء تم تشييعهم أيضاً في اليوم التالي». قصة راحت تتكرّر بعدما اتجه المشيعون أيضاً «لإسقاط التمثال، ومَن قُتل منهم هذه المرة أجبر الأمن عائلاتهم على تشييعهم باكراً، فتراجعت شدة الحراك نوعاً ما، وسيطرت الحواجز على المدينة مع استفزاز واضح للأهالي... هكذا انضمّت الرقة بزخم للشارع المنتفض» يقول محدّثنا. وماذا عن الجيش الحر؟ سؤال يجعل معظم الناشطين يتحفّظون على الإجابة، وبالكاد يمكنك أن تحصل على بعض المعلومات؛ أصلاً، لا تجد أثراً لـ«الجيش الحر» في شوارع المدينة، بما أنه بالنسبة لمعارِضي الرقة، «لا يزال من المبكر دخول المنشقين كون الطابع السلمي يبقى حتى اللحظة عنواناً لاحتجاجاتنا».
هناك عامل شديد الأهمية في الجزيرة السورية عموماً، وفي الرقة وأرض الفرات خصوصاً، وهو عشائر المنطقة، كونه لم تتبيّن ملامح دورها إزاء التطورات حتى الآن. يتحدث أحد الناشطين في المدينة عن العشائر، فيعتبر أن هذا «الخزان الكبير» هو موضع تجاذبات لا حدود لها من قبل كل الأطراف؛ وعلى حد تعبيره، فإن النظام، ومنذ عهد الرئيس الأسد الأب، عمد إلى تقريب كبار شيوخ العشائر منه، ومنحهم في المقابل سلطة مطلقة في حكم المنطقة لتسري القوانين الاجتماعية من ثأر ومصالحة وغيرها، «لكن تحت سقف الدولة»، وهو ما انعكس خصوصاً أيام التوتر بين الرئيس الأسد والرئيس العراقي الراحل صدام حسين، الذي حاول استمالة بعض رجالات قبيلة الجبور دون أن ينجح بذلك. سلوك تقاربي مع العشائر «استمر الرئيس الحالي في اتباعه». في المقابل، تفيد المعلومات بأن معارضين أيضاً عملوا على الاستعانة بالعشائر «التي يعتقدون أنها احدى أكثر الأوراق ربحيةً في معركتهم ضد النظام، فحاولوا سحبها تدريجياً إلى خط العسكرة المباشرة، وعمدوا إلى وضعها في الصفوف الأولى لمؤتمراتهم، لكن شيئاً في الواقع لم يحصل»، يعلّق الشاب الرقاوي. ويتابع الناشط نفسه أنه «في الصيف الماضي، توقعتُ شخصياً أن تنتفض إحدى أكبر عشائر الفرات وهي عشيرة البكارة، ومعها باقي عشائر المنطقة على اثر اعتقال شيخها نواف البشير في دمشق، لكن، وبكل بساطة، دخل الجيش وقوات الأمن إلى دير الزور في حينها، وخرج منها من دون أن يحدث شيء من ذلك». خلاصة القول أن كلا الطرفين، أي النظام والمعارضة، لم يفلحا في سحب العشائر إلى صفهم رغم كل الجهود. ولا يتوقع محدثنا اختراقاً قريباً في صفوف قبائل البلاد، بما أنّ «مفهوم العشائرية المتراجِع أصلاً لم يتقدّم إلى الواجهة سوى أخيراً، وهؤلاء الشيوخ هم في النهاية مجرد أشخاص إما ورثوا الاسم، أو امتلكوا بعض المال، ولكن لا وزن كبيراً لهم، وليسوا بمسلحين».




«الرقّة مثل هوائها»


يوم الجمعة في الرقة لا يفوَّت في هذه الأيام. تشرق الشمس ويستعد الناس للتظاهر. كاميرات التلفزيون السوري الرسمي تتجوّل في المدينة لتقول إن الحياة طبيعية، والطقس ربيع. أما في الشوارع، فاستنفار عناصر الأمن ودورياتهم يعوّض هدوء حركة الناس. يحين موعد صلاة الجمعة، ويتّجه الناس إلى المساجد مع تخطيط للخروج بعدها بتظاهرات حاشدة. تبدأ الصلاة ويُجمع معظم خطباء المساجد على فتوى صدرت قبل يوم واحد، تفيد بتحريم التظاهر، فيردّ الناس بالتكبير ومقاطعة الخطبة. بعدها، يخرج الناس من المسجد وكأنّ شيئاً لم يكن، فيما يبتسم مصوِّر التلفزيون الحكومي وهو يرى معظم الشوارع خالية، فيما يتحدّى آخرون أجهزة الأمن، ويخرجون للتظاهر لدقائق قبل أن تنجح قوات حفظ النظام بتفريقهم ليعلّق أحدهم بالقول إن «الرقة مثل هوائها، من الصعب معرفة متى وكيف يهب».