سيناء | تهكّم المصريون كثيراً من شخصية «الملثم»، الذي استهدف تفجير خط الغاز المصدر إلى إسرائيل بأبخس الأثمان بضعاً وعشر مرات دون القبض عليه. وصف «الملثم»، الذي دأبت عليه البيانات الإعلامية الرسمية الصادرة عن الجهات الأمنية، لم يلبث أن صار لقباً للنسخة الجهادية المصرية من «روبن هود»، الذي يخوض المخاطر من أجل الحفاظ على ثروة قومية مملوكة لشعب أغلبه من الفقراء. وقد ظل «الملثم» بطلاً شعبياً في شبكات التواصل الإلكترونية، وانتشر وسم (#الملثم) على «تويتر» حتى أعلن الملثمون عن أنفسهم في فيلم تسجيلي مدته ثلاثون دقيقة بعنوان «وإن عدتم عدنا»، وانتشر لأول مرة اسم جماعة «أنصار بيت المقدس».


أظهر الفيلم المنشور في 2012 جوانب تفصيلية من الاستطلاع الميداني، الذي قام به أعضاء التنظيم لخط الغاز، كما مرحلة التخطيط، ومقتطفات من تنفيذ العمليات الخامسة والعاشرة والثالثة عشرة، مع بعض المقاطع الصوتية للقيادي في تنظيم «القاعدة» أيمن الظواهري، الذي أثنى عليهم. كان لافتاً الاهتمام بالتوثيق المرئي واستخدام فنيات متقدمة نسبياً في التصوير والتسجيل الصوتي والمونتاج. توقف استهداف خط الغاز بإعلان المجلس العسكري إبّان حكمه وقف تصدير الغاز الطبيعي إلى إسرائيل تنفيذاً لقرار المحكمة التي قضت ببطلان صفقة البيع المتخمة بالفساد في دائرة حسني مبارك وصديقه رجل الأعمال الهارب حسين سالم، وسامح فهمي وزير البترول الأسبق. بعدها توجّهت عمليات «أنصار بيت المقدس» إلى داخل الأرض المحتلة، حيث استهدفت سيارة إسرائيلية بالقرب من الخط الحدودي في وسط سيناء، ونُفذّت عدة عمليات في أم الرشراش (إيلات)، قامت بتصوير جوانب منها وبثها في تسجيلات مصورة على موقع «يوتيوب».
في أيلول 2012 تم اغتيال إبراهيم عويضة، القيادي في «أنصار بيت المقدس»، في قرية خريزة بوسط سيناء. لم يمر أسبوع حتى وجد سكان قرية البرث رأس منيزل سلامة مفصولاً عن جسده، وملقياً على قارعة الطريق. في تسجيل مصور، تم نشره بعدها بشهرين، ظهر سلامة قبيل مقتله يروي قصة عمالته لصالح «الموساد»، وتجنيده لبدويين آخريْن بهدف اغتيال عويضة. كان «أنصار بيت المقدس» قد أصدروا بياناً تفصيلياً قبل نشر الفيديو شارحين فيه اختراق فرقة اغتيالات إسرائيلية للأراضي المصرية بعمق 15 كيلومتراً حتى قرية خريزة، تحت تغطية من طائرة استطلاع بدون طيار. وقد نجا عويضة من محاولة الاغتيال الأولى، فعاودوا الاختراق حتى تم تنفيذ الثانية. تسلمت الجماعة سليمان حمدان، الجاسوس الثاني الذي تبرأت منه عائلته، وقامت بقتله، في حين لاذ سلامة العوايدة، الجاسوس الثالث، بالفرار إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة في حماية استخبارات الاحتلال.
في ثالث أيام عيد الفطر المنصرم تم استهداف مجموعة من «أنصار بيت المقدس» بواسطة طائرة إسرائيلية بدون طيار في منطقة العجراء بعمق 3 كيلومترات داخل الحدود المصرية، وقد كانوا على وشك إطلاق بضعة صواريخ في اتجاه إحدى المستوطنات الإسرائيلية في الأرض الفلسطينية المحتلة. أعلن جيش الاحتلال مقتل خمسة جهاديين في القصف، في حين أعلن «أنصار بيت المقدس» أسماء «شهدائهم الأربعة ونجاة قائدهم».

تحول في الخطاب

كانت هذه هي المرة الأولى التي توجه فيها «أنصار بيت المقدس» صريح اتهاماتها بالعمالة لدولة الاحتلال، حيث زعم بيانها أن شهود العيان من سكان المنطقة قد رأوا الطيران العسكري المصري يحوم في المنطقة ثم ينسحب لتظهر الطائرة الإسرائيلية بدون طيار فتقصف الجهاديين الأربعة بقذيفتين أثناء إعدادهم ثلاثة صواريخ في اتجاه المغتصبات (المستوطنات) الإسرائيلية القريبة من الحدود، فترديهم على الفور. وهي الشهادة التي تطابقت مع ما وثقه أحمد أبو دراع، الصحافي السيناوي المحبوس عسكرياً، وغيره من صحافيين محليين في سيناء. أشار البيان إلى إعلان الإعلام الإسرائيلي والدولي عن التنسيق الأمني بين مصر وإسرائيل في هذه العملية، وهو ما اعتبره «أنصار بيت المقدس» دليل إدانة للجيش المصري، الذي نفى أن يكون الهجوم اسرائيليا، وانما مصرياً نفذته طائرات تابعة للجيش. تضامنت التنظيمات السلفية الجهادية الأخرى مع «أنصار بيت المقدس» بعد هذه الحادثة، سواء بالبيانات الإعلامية التي أصدرها كل من «السلفية الجهادية» و«مجلس شورى المجاهدين ــ أكناف بيت المقدس»، أو بعملية موجهة ضد أم الرشراش (إيلات) نفذها «أكناف بيت المقدس» في اليوم التالي. أشار الأخير في بيانه الى ما وصفه بقتل الجيش المصري للمصلين والمتظاهرين في ميادين القاهرة والإسكندرية، في إشارة إلى مذبحتي الحرس الجمهوري والنصب التذكاري في القاهرة وأحداث جامع القائد إبراهيم في الإسكندرية في رمضان الماضي.
في اليوم التالي، قام الجيش بقصف جوي لقرية الثومة بعدة قذائف مما أسفر عن مقتل شخصين. أعلن بيان للجيش مقتل مجموعة من المتورطين في مذبحة جنود رفح الأولى (2012) وتدمير مخزن للسلاح والذخيرة، في حين أصدرت «السلفية الجهادية» بياناً تفصيلياً لما قالت إنه تكذيب للجيش، بعنوان «حقيقة عملية الجيش في قرية الثومة موثقاً بالصور».
بلغة شبه قانونية غير شائعة في خطابات الجماعات الإسلامية المسلحة، اتهم بيان «السلفية الجهادية» قوات الجيش المصري بارتكاب عدة جرائم.

تطور استراتيجي

فور وقوع مذبحة الجنود الثانية يوم 19 آب الماضي، نشرت «أنصار بيت المقدس» فيديو للجنود السبعة السابق اختطافهم والإفراج عنهم في أيار من العام الجاري. ظهر الجنود في حالة صحية جيدة وقد تحدث أحدهم موجهاً الشكر لجماعة «أنصار بيت المقدس» لتوسطهم في الإفراج عنهم ولحسن معاملتهم. وقد وجهت الجماعة على لسان الجندي نداء للرئيس محمد مرسي وقتها مطالبين بالإفراج عن معتقليهم وسجنائهم.
بدا أن توقيت نشر الفيديو بعد 3 أشهر من تسجيله كان رسالة تبرؤ ضمني من التورط في مذبحة الجنود الثانية. رسالة موجهة لكل من الرأي العام الوطني والرأي العام المحلي. فقد أظهرت جنازة الأعضاء الأربعة المقتولين في عيد الفطر تعاطفاً شعبياً محلياً، وهو ما كان مهدداً بالفقدان إذا أدينت «أنصار بيت المقدس» بمذبحة الجنود. الجماعات السلفية الجهادية في سيناء، والتي تختلف عن الجماعات التكفيرية، كانت قد التزمت بخط استراتيجي منذ الثورة المصرية بعدم الاشتباك مع أي طرف مصري أو أي طرف فلسطيني، وعدم تورطها في السجالات والشقاقات السياسية للتركيز على العدو. لكن بيان «أنصار بيت المقدس» الذي تعلن فيه مسؤوليتها عن محاولة اغتيال وزير الداخلية وتهدد باغتيال وزير الدفاع وبعض الإعلاميين يعد تطوراً غير مسبوق في خطابها وعملياتها.