كي تعرف أخبار معارك مدينة القصير السورية وردود فعل أهلها، قم بزيارة أماكن لجوء عشرات العائلات منهم في قرى وبلدات البقاعين الأوسط والغربي، وفي عرسال حيث الوجود الأكبر لهم. أخبار عديدة تتناقلها الألسن ويرويها المشردون من مناطق قريبة الى مناطق تشكل الفاصل ما بين الوريد والوريد على رقعة سايكس بيكو، حيث تنحسر الأنباء عن المحاصرين هناك، بينما ينجح أبو خالد، ابن القصير اللاجئ الى البقاع الغربي، في أن يحصل على خبر واحد يطمئنه على والدته المسنة وأولاد شقيقته الكبرى.


قبل سنة خرج أبو خالد مع زوجته وأطفالهما الأربعة من القصير إثر إصابته بشظية قذيفة خلال معارك الكر والفر داخل مدينته. لا ينفي الرجل الأربعيني انضمامه الى الجيش الحر مع تحول الحراك السلمي الى عسكري وبعد ستة شهور من انشقاقه عن الجيش النظامي ضد نظام الرئيس بشار الأسد.
الحوار الصباحي مع أبو خالد عن مجريات معركة القصير لا يمنعه من استمرار طلب رقم هاتف خاله هناك. محاولات متكررة منيت بالفشل. يريد الرجل خبراً واحداً يطمئنه عن والدته التي رفضت ترك منزل العائلة واللجوء الى لبنان الذي تكره.
يقول أبو خالد إن والدته لم تحب لبنان يوماً، وإن مقتل ابنه المجند في الجيش السوري على أرض لبنان سنة 1983 رفع من منسوب حقدها على وطن الأرز. يضيف ضاحكاً بسخرية بعد اعتذار مسبق: «والله معها حق، إنتو شعب لا يطاق». ومن «شعب لا يُطاق» تفتح شهية أبو خالد على «شتم» حزب الله ومشاركته في معارك مدينته القصير.
لا يترك «جريح» الجيش السوري الحر كلمة نابية إلا ويقذف بها الحزب ومعه الرئيس بشار الأسد، لاعناً الساعة التي وقف فيها داعماً لمقاومة الحزب ضد الاحتلال الاسرائيلي.
موقف تجد من يدعمه من مناصرين لبنانيين لـ«الثورة السورية» كانوا يتحلّقون حول أبي خالد، يؤجّجون نار غضبه ويذكون شعلة موقفه المذهبي. ثمة لبنانيون يعبّرون عن «شماتة» لا توصف بمن سقط من حزب الله في معركة القصير وريفها خلال الساعات الماضية. حكايات خيالية يرويها هؤلاء، متحدثين عن أعداد غير واقعية ولا يقدر العقل على استيعابها. يعتقد من يستمع الى «شماتة» المناصرين اللبنانيين للجيش الحر في القصير أنه لم يبق من حزب الله واحد على قيد الحياة على الكرة الأرضية، حتى وصل الأمر بأحدهم الى إحصائه عبور 120 سيارة إسعاف تابعة للهيئة الصحية الاسلامية من شتوره الى بيروت ناقلة الجثث والجرحى.
حديث الشارع في البقاعين الأوسط والغربي عن مجريات معركة القصير يعجز المتابع له عن نقل مضمونه الحرفي.
لم يعد يرى هذا الشارع الموالي لفريق 14 آذار إلا حزب الله ودوره في المعارك هناك. غالبية حوارات الشارع في جب جنين والقرعون والمرج وبرالياس وسعدنايل وقب الياس تتمحور بين «شماتة» وأسف موجع على سقوط لبنانيين في معارك القصير.
أسف تجده أيضاً عند مجموعة محدودة من اللاجئين السوريين في البقاعين الغربي والأوسط، أصبحوا على اقتناع تام بأن ما يجري على أرض بلدهم ليس إلا تدميراً ممنهجاً يشارك فيه الجميع، موالاة ومعارضة.
هذا الموقف عرضة للتخوين، ومطلقه الآن يصبح مشاركاً لحزب الله في المواجهة العسكرية مع مقاتلي القصير.
يجد الموالون لـ«الثورة السورية» في البقاعين الأوسط والغربي أنفسهم في صلب المعركة مع حزب الله. مشاركتهم تقتصر على «الحكي»، والحقد «السياسي» و«المذهبي» يستدعي منهم «الصلاة» والتضرع إلى الله كي «يتورط» حزب الله أكثر في سوريا.
تسمع هذا الكلام حول جلسة لارتشاف فنجان قهوة وتدخين سيجارة، وتخال أن الله سيستجيب لدعاء لا يخلو من القتل وإزهاق الأرواح.
وصل الكلام «المذهبي» في سهل البقاع الى قمته «الدموية». أشعلت جبهة القصير جبهات الكلام المُباح على أرض السهل المُباح حرماناً وجوعاً وقهراً. فأن تسأل في عرسال عن وجهة نظر البعض مما يجري في القصير، فحكماً لن تسمع إلا جواب «شماتة» بحزب الله.
عرسال التي تتابع عن كثب ما يجري في القصير، يعتبر بعض مناصري «الثورة السورية المسلحة» سقوطها سقوطاً لبلدتهم. يتحدث بعض الناشطين في هيئة دعم «القصير» عن ثقة زائدة بمقاتلي المدينة السورية، وعن أنهم سيهزمون الجيش السوري النظامي وحزب الله.
يقول المجاهد العرسالي «أبو القعقاع» في اتصال هاتفي معه: «إن انتصار القصير على حزب الله هو انتصار لعرسال». ويسأل: «لماذا يتدخل الحزب في القصير»؟. فتسأله: «لماذا تتدخل أنت في القصير؟».
يجيب «أبو القعقاع»: «ننصر أهلنا هناك». ويقول الحزب إنه «ينصر أهله هناك». يرد الرجل «أهلنا غير أهله».
ما بين أهل «أبو القعقاع» وأهل «حزب الله» سقط سهل البقاع بالضربة القاضية، والاستعانة بالله لإزهاق الأرواح والنصرة على الأخ والشقيق وابن العمة والخال أصبحت دعاءً تُستحب قراءته بعد كل صلاة واجبة من الصلوات الخمس.