الجزائر | أثار نجاح الانتخابات التشريعية في تونس، الطبقة السياسية في الجزائر على اختلاف توجهاتها. الأحزاب المعارضة بقيادة التيار الإسلامي وجدت في هزيمة حركة «النهضة» التابعة لجماعة «الإخوان المسلمين»، وفي اعترافها بالهزيمة أمام منافسها العلماني حركة «نداء تونس»، فرصةً لتصعيد نبرتها تجاه السلطة، للدعوة إلى ضرورة التغيير في الجزائر. واستغلّت هذه الأحزاب الوضع لمصلحتها للحديث عن «ديموقراطية الإسلاميين وقبولهم باللعبة الديموقراطية عكس ما كانت السلطة تروّج له في الجزائر».


وجهت أحزاب التيار الإسلامي في الجزائر وابلاً من الانتقادات تارةً والتشفي طوراً للسلطة، عقب انتهاء الانتخابات التشريعية في تونس. وسارعت إلى الترويج لخسارة الإسلاميين الممثّلين في حركة «النهضة» التونسية، لمصلحتها، من خلال اعتبار ردّ فعل حركة راشد الغنوشي ومباركته لفوز منافسه العلماني «نداء تونس»، ذروة الديموقراطية التي يتمتع بها الإسلاميون ومدى قبولهم بـ«الهزيمة الشفافة» البعيدة عن التزوير. وهو ما جاء على لسان زعيم حركة «مجتمع السلم»، أكبر الأحزاب الإسلامية المحسوبة على «الإخوان» في الجزائر، عبد الرزاق مقري، حين قال في تصريح إلى «الأخبار»، إن على النظام في الجزائر أن يأخذ العبرة من تونس، بأن التغيير والانتقال الديموقراطي ممكنان، وإن الحركة الإسلامية التي يُروَّج لكونها «بعبعاً»، تعترف بالفشل وتقبل باللعبة الديموقراطية التي تتجسد في انتخابات شفافة وحرّة ونزيهة بعيداً عن التزوير.
وعن الأسباب التي تجعل التجربة التونسية تنجح دون غيرها، أكد مقري أنه يعود إلى عدم تدخل المؤسسات العسكرية والأمنية في الشأن السياسي في تونس، إذ إن القانون الانتخابي التونسي لا يسمح لأفراد المؤسسة العسكرية والأمنية بالمشاركة في العملية الانتخابية، وهو ما يختلف جذرياً عن الجزائر حيث يتحكم في نتائج الانتخابات العسكر والأمن بصورةٍ مباشرة وغير مباشرة، داعياً إلى ضرورة «تمدين» العمل السياسي في الجزائر.
وأوضح زعيم «الإخوان» في البلاد أن الجارة التونسية انتصرت بعد نجاح كل الشركاء السياسيين في تحقيق الانتقال الديموقراطي، معتبراً أن حركة راشد الغنوشي «لم تُهزم»، وأنها أكبر فائز «بتجنّبها تسيير البلاد في فترة تتسم بوضع متأزم داخلياً وخارجياً». وأشار مقري إلى أنه في حال فازت «النهضة» فستجد نفسها في حالة دفاع عن النفس وفي مواجهة الضغوطات الداخلية، وليس في موضع إبداع وتفكير وتسيير، وهو ما لا يخدمها ولا يخدم تونس، بعكس حزب «نداء تونس» الفائز الذي سيتحمل الضغط. وأردف أنه سواء شاركت «النهضة» في الحكومة أو امتنعت فهي دائماً في وضعٍ مريح، رغم أنه يحبّذ تحالف الإسلاميين ممثلين في النهضة مع العلمانيين بزعامة «نداء تونس»، وذلك «لإثبات ديموقراطية الإسلاميين بقبولهم التعامل مع الجميع لمصلحة البلاد».
من جهته، أرجع رئيس حركة «العدالة والتنمية» عبد الله جاب الله، أحد أهم أقطاب التيار الإسلامي في الجزائر، في حديث مع «الأخبار»، نتائج الانتخابات التونسية وتقهقر حركة «النهضة»، إلى اقتناع كل الأطراف السياسية في تونس باحترام قواعد الممارسة السياسية، التي تؤسس لبناء ديموقراطي. ورفض اعتبار حركة الغنوشي فشلت في الاستحقاق، معتبراً أن من الطبيعي في مختلف الدول الديموقراطية، ألا تظل الأحزاب في المراتب نفسها، لكن العبرة في احترام قواعد اللعبة، على حدّ تعبيره.
ورفع حزب «النهضة» الإسلامي الجزائري من حدّة التشفي من الذين كانوا ينتظرون فشل تونس في تجربتها الديموقراطية، ويروّجون لاستحالة قبول الإسلاميين بالفشل. وفي هذا السياق، قال الأمين العام للحركة محمد ذويبي، في بيان، إن نجاح العملية الانتخابية «صفعةٌ كبيرة للنخبة الديكتاتورية الحاكمة في العالم العربي ولأعداء الحرية والديمقراطية التي أتت بها ثورة الياسمين في تونس»، مرجعاً نجاح العملية السياسية إلى «احترام قواعد العملية الديموقراطية واحترام الشركاء السياسيين، وعلى رأسهم حركة النهضة».
التوجه نفسه، لكن بحدّة أكبر، انتهجته الأحزاب المعارضة في الجزائر، العلمانية منها والديمقراطية، حيث رأى رئيس الحكومة الأسبق، علي بن فليس، المنافس القوي للرئيس عبد العزيز بوتفليقة في انتخابات الرئاسة، أن النمط الناجح للتحول الديموقراطي السلمي والسلس في تونس من شأنه أن يسحب نهائياً من أيدي الحكام في الجزائر الورقة المعوّلة على فشل المسارات الديموقراطية في العالم العربي، «والتي أخذوا منها سنداً واهياً وذريعة باطلة لحرمان الجزائر وشعبها من حقهما في التحول الديموقراطي في كنف التوافق والتدرج والطمأنينة». و قال لـ«الأخبار»، إن تونس مَثَل يجب على الحكام في الجزائر الاقتداء به، ومصدر إلهام ينبغي الوقوف عنده والاستفادة منه، مشيراً إلى أن الشعب التونسي وطبقته السياسية لقنوا بإنجازهم العالم عموماً والدول العربية خصوصاً دروساً في المسؤولية السياسية والالتزام المدني.
من جهتها، ذهبت أحزاب «قطب قوى التغيير المعارض» بقيادة بن فليس، إلى أبعد من ذلك، موضحةً في بيان أن تونس أعادت للمواطنة الحقة والسيادة الشعبية الكاملة اعتبارهما وحرمتهما ومعناهما، وأثبتت أن التحوّل الديموقراطي المنظم والهادئ ممكن وفي متناول كل من يؤمنون به.
وقد تكون الانتخابات التشريعية التونسية أحد أهم الأسباب التي تدفع السلطة في الجزائر إلى التفكير في إحداث التغيير الذي تطالب به المعارضة وأحزاب التيار الإسلامي، رغم أن النظام سارع إلى احتواء الوضع بعدما منح أكبر وأقدم حزب معارض في البلاد، «جبهة القوى الاشتراكية»، الضوء الأخضر للتحرك في إطار خطة تم وضعها بعناية فائقة، لأجل التخفيف من حدة الضغط الممارس عليه، وذلك عبر ما سمّي «ندوة الإجماع الوطني» التي تهدف إلى جلوس المعارضة والسلطة على طاولة واحدة للتشاور حول مطلب التغيير، الأمر الذي تنبهت له المعارضة وحذر لأجله حزب «جبهة القوى الاشتراكية» من مغبة الاستمرار في التشويش على مطلب التغيير والانتقال الديموقراطي لإفشاله بتواطؤ مع السلطة، مقابل الحصول على مزايا في الحكومة المنتظرة في الأيام المقبلة.