تونس | لم يكن أحد يتصور أنه سيتم التصويت بهذه النسبة التي فاقت ٩٠ في المئة على الدستور التونسي الجديد في البرلمان، حيث كان الخوف يخيم على الشارع من مخاطر اللجوء الى الاستفتاء في حال الفشل في التوافق.

الرحلة الطويلة التي قطعتها عملية التوافق في المجلس الوطني الدستوري لم تكن سهلة، فقد أثارت بعض الفصول خلافات عميقة، أولها الفصل الأول، إذ سعت الأحزاب والجمعيات الاسلامية وجزء كبير من حركة النهضة للضغط على المجلس التأسيسي للتنصيص على أن الشريعة الإسلامية هي مصدر التشريع الوحيد.

وناضلت القوى الديموقراطية من أجل المحافظة على نفس الصيغة التي كانت في دستور سنة ١٩٥٩الذي تم تعليق العمل به بعد الثورة.

الغنوشي والصقور

وكان لزعيم «النهضة» راشد الغنوشي الدور الحاسم في فرض التمسك بالفصل الأول القديم على صقور حركته الذين كانوا متمسكين بالتنصيص على مبدأ الشريعة كمصدر أساسي ووحيد للدستور والقانون. وجاء الفصل الأول كما يأتي: «تونس دولة حرة، مستقلة، ذات سيادة، الاسلام دينها، والعربية لغتها، والجمهورية نظامها».
وفي القدر نفسه أثار الفصل السادس جدلاً كبيراً، إذ تمسكت الكتلة الديموقراطية بالتنصيص على حرية المعتقد والضمير وتجريم التكفير، وهو ما اعتبره عدد من نواب المجلس من كتلة «النهضة» وتيار المحبة الذي يتزعمه صاحب قناة «المستقلة» في لندن محمد الهاشمي الحامدي، وبعض النواب المستقلين، فصلاً يشجّع على الكفر. ونظموا تظاهرات أمام المجلس في ضاحية باردو في العاصمة تونس، شارك فيها عدد من الأئمة لإجبار المجلس على التراجع عن هذا الفصل. ولكن رغم ذلك تمّ إقراره بعد تعديله، ليصبح هذا الفصل سابقة عربية بامتياز بعد التعديل على النحو الآتي: «الدولة راعية للدين، كافلة لحرية المعتقد والضمير وممارسة الشعائر الدينية، ضامنة لحياد المساجد ودور العبادة عن التوظيف الحزبي. تلتزم الدولة بنشر قيم الاعتدال والتسامح وبحماية المقدّسات ومنع النيل منها. كما تلتزم بمنع دعوات التكفير والتحريض على الكراهية والعنف وبالتصدي لها».

مكاسب نسويّة

الدستور التونسي الجديد حافظ على المكاسب التي حققتها الحركة النسوية، إذ نصّ على المناصفة بين المرأة والرجل في الترشح إلى المجالس البلدية ومجلس نواب الشعب (البرلمان). كذلك نص على المساواة بين الرجل والمرأة في حظوظ العمل، لا سيما أن الحركة النسوية والقوى الديموقراطية ناضلا من أجل إقرار هذا الفصل الذي يترجم تقدم تونس في مجال حقوق المرأة.
وأفسح الدستور فرصة للشباب في مستوى الترشّح للمجالس المُنتخبة، إذ خفّض سن الترشح الى ١٨ سنة وخفض من سن الترشح لرئاسة الجمهورية الى سن ٣٥ سنة بعد أن كانت ٤٥ سنة في الدستور القديم، بينما ألغي شرط السن الأقصى في الترشحات للانتخابات الرئاسية الذي كانت «النهضة» وحلفاؤها يسعون الى إمراره لقطع الطريق أمام زعيم حركة نداء تونس، الباجي قائد السبسي، منافسها الأول حسب استطلاعات الرأي.
ومن ناحية ثانية، يُفسِح الدستور الجديد لحاملي جنسية مزدوجة للترشح إلى الرئاسة بشرط التنازل عن الجنسية الثانية عند قبول الترشح. وقد أثار هذا الفصل جدلاً كبيراً في الشارع السياسي، إذ رفضته عدة أحزاب باعتبار أنه لا يُعقَل أن يحكم تونس من كانت له جنسية ثانية.

استقلالية المحافظات

وعلى عكس دستور ١٩٥٩، قطع الدستور الجديد هيمنة الدولة المركزية على الجهات، إذ سيتم حسب الدستور انتخاب المجالس الجهوية في المحافظات والأقاليم التي ستكون لها استقلالية مالية ومعنوية ولها مواردها الخاصة مع مساعدات من الدولة.
ومنح الدستور الجديد لهذه المجالس المُنتخبة حرية رسم الخطط التنموية حسب حاجات الجهة وإمكانياتها.
ويُعتبر هذا الفصل سابقة في تاريخ تونس، إذ عانت جهات كثيرة من الظلم وحُرِمت من التمتع بإمكانياتها الطبيعية بسبب هيمنة الدولة المركزية، مثل منطقة الفسفاط في محافظة قفصة أو المنطقة النفطية في محافظة تطاوين.

استقلالية القضاء

الجانب الإيجابي أيضاً في هذا الدستور تنصيصه على مؤسسات دستورية، منها المحكمة الدستورية التي تختص بمراقبة دستورية القوانين وتتركّب من ١٢ عضواً من ذوي الكفاءة، ثلاثة أرباعهم من المختصين في القانون الذين لا تقل خبرتهم عن عشرين عاماً.
كذلك ينص الدستور على المجلس الأعلى للقضاء، وأغلب أعضائه منتخبون من هياكل القضاء لفترة واحدة مدتها ست سنوات.
ويتمتع المجلس باستقلالية مالية وإدارية عن السلطة التنفيذية، وهو المسؤول عن ترقيات القضاة ونقلهم، والتي كان في السابق يحتكرها رئيس الدولة، وهو ما حرم تونس من قضاء مستقل.

حياة ديموقراطية

الدستور الجديد قدّم ضمانات أخرى لحياة ديموقراطية سليمة، منها الهيئات الدستورية؛ وهي الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، وهيئة الاتصال السمعي البصري، وهيئة حقوق الإنسان التي تراقب احترام الحريات وتعمل على تعزيزها، وهيئة التنمية المُستدامة وحقوق الأجيال المقبلة وهيئة الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد.
وبهذا الدستور الذي تطلّب عامين من العمل المتواصل وكلّف الشعب التونسي المليارات من الدنانير، تكون تونس قد ضمنت نظرياً بناء نظام ديموقراطي حقيقي يجعلها نموذجاً في العالم العربي والإسلامي، وهو ما أكدته مواقف الدول الكبرى التي ترجمت مساندتها للدستور بصرف قرض بـ٥٠٠مليون دولار لمساعدة تونس على مواجهة تحديات اقتصادية واجتماعية كبيرة.
وبقدر سعادة التونسيين بدستورهم الجديد ثمة خوف لديهم من ضياع الحلم بدستور ١٩٥٩ أيضاً، فقد كان على قدر كبير آنذاك من الحداثة والتقدم، لكن سرعان ما تم إخضاعه لمجموعة من التعديلات والإضافات والتنقيحات أفقدته مضمونه الأول. لعل الضامن الوحيد لتطبيق هذا الدستور هو يقظة المجتمع المدني، حيث يصعب أن تعود تونس الى زمن الديكتاتورية بعد أن ذاقت جمال الحرية.




صلاحيات الرئيس تتقلص

ويمنح الدستور الجديد لرئيس الجمهورية حق الترشح في دورتين؛ فقط خمس سنوات لكل دورة. ونصّ على أن هذا الفصل لا يمكن تعديله. وعانت تونس بسبب الرئاسة مدى الحياة في عهدي الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي، وبهذا الفصل تكون تونس قد وضعت حداً لهذا السلوك اللاديموقراطي. لكن الدستور أفقد رئيس الجمهورية معظم الصلاحيات ومنح كامل السلطة التنفيذية لرئيس الحكومة الذي يكون من بين الغالبية البرلمانية؛ فدور الرئيس شبه شرفي، إذ إن الصلاحيات القليلة التي لديه مثل تعيين كبار العسكريين والقُضاة والسفراء كلها تتم بالتشاور أو باقتراح أو بطلب من رئيس الحكومة أو رئيس المجلس التأسيسي. فالرئيس ممنوع من حضور المجالس الوزارية إلا التي تتعلق بالأمن أو الدفاع ويحضر معه وجوباً رئيس الحكومة.
تداخل الصلاحيات بين رئيس الحكومة ورئيس الجمهورية اعتبره بعض زعماء الأحزاب باباً للأزمات السياسية، إذ إن النظام البرلماني حتى وإن كان معدّلاً مثل الحالة التونسية فقد يكون سبباً في انعدام الاستقرار السياسي مثل ما يحدث في إيطاليا، خاصة أن تونس ما زالت حديثة عهد بالديموقراطية.