في الثاني من كانون الشهر الجاري، أعادت «جبهة النصرة» إحكام قبضتها على بلدة معلولا. دخل مسلّحو «النصرة» البلدة المسيحية الأشهر في سوريا، وخطفوا راهبات دير مار تقلا الأرثوذكسي، واستباحوا كنائس وأديرة. في حزيران الماضي، دخلت البلدة التاريخية التي لا يزال أهلها يتحدّثون لغة السيد المسيح الآرامية دائرة الضوء الإعلامي الدولي، عندما احتلها مسلّحو «النصرة»، للمرة الأولى، قبل أن يتمكّن الجيش السوري من طردهم منها.


ورغم تأكيد أحد قياديي «النصرة» لـ«الأخبار» أن مسلحي الجبهة «لم يجدوا رجلاً أو امرأة أو طفلاً في معلولا؛ إذ إن أهلها هجروها قبل دخولنا باستثناء الراهبات». يروي «أبو سركيس»، وهو أحد القياديين في لجان الدفاع الوطني، لـ«الأخبار»، أنّ المقاتلين الإسلاميين الذين دخلوا معلولا «بدأوا بالتكبير هاتفين: يا نصارى أسلِموا تَسلموا». ويضيف: «عُمِّم بعدها أن أمام النصراني ثلاثة خيارات: الإسلام أو دفع الجزية أو الرحيل». وكأن التاريخ، في بلاد الشام، يعيد نفسه. فقد استعار المقاتلون، بتصرف، العبارة نفسها التي توجّه بها أبو عبيدة بن الجراح لأهل بلاد الشام عقب معركة أجنادين: «الإسلام أو الجزية أو القتال».
حاز سقوط معلولا في قبضة المسلحين اهتمام مسيحيي العالم بسبب رمزيتها التاريخية والدينية، لكنها لم تكن البلدة المسيحية الأولى التي يدخلها مسلّحو المعارضة السورية. فمنذ بداية الأحداث، رُفعت في التظاهرات شعارات من نوع «العلوي عالتابوت والمسيحي عبيروت». قبل معلولا، دخل المسلّحون عشرات القرى والبلدات التي كان أهلها يهجرونها قبل وصول المسلحين الذين سبقتهم أخبار عن جرائم قتل على الهوية وعمليات نسف لكنائس وأديرة، فيما كان يُفرض على من يبقى منهم أداء الجزية مقابل إعطائهم الأمان. ففي قرية ربلة في ريف حمص، على سبيل المثال، طلبت مجموعة متشددة بقيادة عبد السلام حربة، في آب 2012، من أهالي القرية المسيحيين إخلاءها، وقتلت العشرات منهم وأحرقت بعض المنازل. وفي بعض المناطق الخاضعة لسيطرة المسلحين المتشددين في حلب، أُجبِر تجّار مسيحيون على دفع نصف أرباحهم اليومية لـ«المجاهدين»، فيما استُهدفت الأحياء المسيحية في العاصمة دمشق، كباب توما وباب شرقي، بقذائف الهاون التي أودت بحياة كثيرين، وسُجّلت في أكثر من منطقة عمليات نسف لكنائس وأديرة، من بينها نسف الكنيسة الإنجيلية في حلب. وإذا كانت هذه الممارسات لم تتأطّر بعد في سياق واحد لتعامل المتشددين الإسلاميين مع مسيحيي المناطق التي يسيطرون عليها، ولا تزال تُنسب، في أحيان كثيرة، إلى جماعات تعمل منفردة، إلا أن نقاشاً جدياً بدأ داخل «المجالس الشرعية» لأبرز الجماعات المتشددة التي تنادي بتحكيم الشريعة وإقامة الخلافة حول كيفية التعامل مع «النصارى»، وما إذا كان ينبغي اعتبارهم «أهل ذمّة».
وأهْل الذمّة هم غير المسلمين (اليهود والنصارى) الذين بقوا على دينهم في بلاد المسلمين بناء على عقد الذمة الذي يبرمه معهم إمام المسلمين أو نائبه، ويتضمن إبقاءهم على دينهم، بشرط دفع الجزية مع التزام أحكام الإسلام.
وفي هذا السياق، كشفت مصادر «جهادية» لـ«الأخبار» عن اختلاف في المقاربة بين تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» و«جبهة النصرة» بشأن سبل التعامل مع المسيحيين في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة المسلحة. ففيما يتخذ «الدولة» موقفاً راديكالياً يدعو إلى «تطبيق شرع الله فوراً» في الموقف من النصارى و«هدم كنائس عبّاد الصليب وكسر صلبانهم»، تعتمد «النصرة» موقفاً أقل حدة.
خاض «شرعيو» التنظيمين، قبل المعارك الأخيرة بينهما، في المسألة، مستعيدين «العهدة العُمرية» التي عُقدت مع مسيحيي بيت المقدس الذي كان يُعرف بـ«إيلياء» سنة خمس عشرة هجرية. آنذاك، أعطى الخليفة الراشدي الثاني عمر بن الخطّاب أهل أيلياء أماناً لأنفسهم وأموالهم وكنائسهم وصلبانهم مقابل دفع الجزية التي اختاروها مكرهين بعدما خيّرهما القياديان في جيش المسلمين عمرو بن العاص وأبو عبيدة بن الجراح بين ثلاثة أمور هي: الإسلام والجزية والقتال. وتوضح المصادر أن «نص العهدة استُعيد فازداد الانقسام حدّة. إذ رأى تنظيم الدولة ضرورة تطبيق النص الوثيقة بحرفيته، فيما دعا شرعيو جبهة النصرة إلى تحكيم فقه الواقع وإرجاء بتّ المسألة إلى ما بعد إسقاط (الرئيس بشار) الأسد والتمكين»، ولا سيما أنّ في «العهدة» بنوداً شديدة القساوة قد تُستغل في تأليب العالم على الإسلاميين.
و«فقه الواقع» ينتهجه بعض علماء الإسلام للتوفيق بين الحكم الشرعي الذي كان قائماً في عهد النبي محمد وواقع المسلمين الحالي ونمط الحياة المعاصرة وضغوطها ومشكلاتها، وهو منهج يرفضه غلاة السلفيين.
ورغم أن المؤرخين اختلفوا في نقل بنود «العهدة العمرية»، إلا أن المصادر تؤكّد أن تنظيم «القاعدة» يعتمد أكثر الروايات تطرّفاً، وهي التي أوردها الشيخ ابن القيم الجوزية نقلاً عن عبد الرحمن بن غنم وفيها: «كتبتُ لعمر بن الخطاب رضي الله عنه حين صالح نصارى الشام، وشرط عليهم فيه: ألا يُحدِثوا في مدينتهم ولا في ما حولها ديراً ولا كنيسة ولا قلية (بيت عبادة) ولا صومعة راهب، ولا يُجدّدوا ما خُرّب، ولا يمنعوا كنائسهم من أن ينزلها أحدٌ من المسلمين ثلاث ليال يطعمونهم، ولا يؤووا جاسوساً، ولا يكتموا غشّاً للمسلمين، ولا يعلّموا أولادهم القرآن، ولا يُظهروا شركاً، ولا يمنعوا ذوي قرابتهم من الإسلام إن أرادوا، وأن يوقّروا المسلمين، وأن يقوموا لهم من مجالسهم إذا ارادوا الجلوس، ولا يتشبّهوا بالمسلمين في شيء من لباسهم، ولا يتكنّوا بكناهم، ولا يركبوا سرجاً (سيارة في عصرنا)، ولا يتقلّدوا سيفاً، ولا يبيعوا الخمور، وأن يجزّوا مقادم رؤوسهم، وأن يلزموا زيّهم حيثما كانوا، وأن يشدّوا الزنانير على أوساطهم، ولا يُظهروا صليباً ولا شيئاً من كتبهم في شيء من طرق المسلمين، ولا يجاوروا المسلمين بموتاهم، ولا يضربوا بالناقوس إلّا ضرباً خفيفاً، ولا يرفعوا أصواتهم بالقراءة في كنائسهم في شيء من حضرة المسلمين، ولا يخرجوا شعانين، ولا يرفعوا أصواتهم مع موتاهم، ولا يظهروا النيران معهم، ولا يشتروا من الرقيق ما جَرَت عليه سهام المسلمين. فإن خالفوا شيئاً مما شرطوه فلا ذمّة لهم، وقد حلّ للمسلمين ما يحلّ من أهل المعاندة والشقاق».
وكما يبدو واضحاً، فإن رواية عبد الرحمن بن غنم هذه تتضمن شروطاً مجحفة، كضرورة أن يتميز المسيحيون بلباسهم وعدم التشبّه بالمسلمين في شيء من ملابسهم أو في طريق قص شعورهم، ومنعهم من تجديد ما يخرب من كنائسهم أو بناء دور عبادة جديدة، وعدم رفع الصلبان على كنائسهم أو في طرق المسلمين وأسواقهم، وعدم قرع الأجراس إلا ضرباً خفيفاً، وغيرها من الشروط.

يمكنكم متابعة رضوان مرتضى عبر تويتر | @radwanmortada