دمشق | لا يقتصر رواد البالة على الفقراء ومحدودي الدخل، إذ يرتادها أيضاً ميسورو الحال، وإن بسرية تامة، حرصاً على «البرستيج» الاجتماعي، فأسواقها تعرض بضائع تضاهي، أحياناً، الجديدة جودةً وسعراً، حتى مع موجات غلائها خلال سنوات الحرب. «ارتيادي لمحالّ البالة سببه قلة الدخل وغلاء المعيشة، فالراتب لا يكفي لشراء الأساسيات، فكيف بالألبسة؟! ما اضطرني إلى التوجه إليها لتأمين كسوة عائلتي، لأن الشراء من سوق الحمراء أو الصالحية يحتاج لأربعة أضعاف دخلي»، تقول الموظفة فرح ملحم أثناء تسوقها في سوق الإطفائية في دمشق.


بينما تؤكد «أم هبة»، العاملة في سلك القضاء، حسبما عرفت عن نفسها، أن الأزمة ليست سبب توجهها إلى البالة، فقد اعتادت الشراء من محالّها لوجود ألبسة ذات نوعية أفضل من الجديدة، لدرجة أن صديقاتها الميسورات الحال يسألن عن المصدر دون أن تعلمهن بذلك. لتضيف أن لديها ابنة وحيدة فقط، لكنها لا تشتري احتياجاتها إلا من البالة، التي قد يجد المرء فيها «موديلات متنوعة بأسعار معقولة إن عرف كيف يبحث عن طلبه». أما عماد سليمان، فيشير إلى أنه يتعامل مع البالة من منطق تجاري بحت عبر شراء كميات كبيرة من الألبسة للمتاجرة بها، لأنها تلقى رواجاً من أبناء حيه، نظراً إلى عدم قدرة أغلبيتهم على شراء الألبسة الجديدة.

حذر شديد

يبدي تجار البالة حذراً شديداً عند الحديث عن تجارتها وكيفية دخولها إلى البلاد، لكونها بضاعة مهربة، إذ أكدت أغلبية من التقتهم «الأخبار» أن إثارة هذا الموضوع سيفتح «أبواب جهنم» عليهم، فالجمارك لن تتردد بإغلاق المحالّ ليضطروا إلى دفع الأتاوات لإعادة فتحها. وبحسب أحد الباعة في سوق الإطفائية، فإن «تجاراً كباراً محدودي العدد يتولون إحضار البالة من الدول الأوروبية إلى لبنان، ومنه تدخل تهريباً إلى سوريا لتوزع بعد ذلك على أصحاب المحالّ حسب الاتفاق». ليتساءل جاره «أبو جواد»، العامل على إحدى البسطات بعد انتهاء عمله الأساسي، عن أسباب منع استيراد البالة، ما دام يُسمح بها في جميع دول العالم، خاصة أنها تشغل الآلاف وتكسو العائلات الفقيرة. أما البائع حميد دهام، فيشير إلى تأثير الأزمة على أسعار البالة، «فسابقاً كان لا يتعدى سعر 60 كيلو 3200 ليرة، لتصل اليوم إلى 32 ألف ليرة بسبب ارتفاع سعر الصرف والنقل».

لعبة مصالح

تُرك باب استيراد الألبسة التركية والصينية مفتوحاً على مصراعيه، فيما يمنع استيراد البالة بحجة حماية الصناعة الوطنية، فهل السماح باستيراد الألبسة الجديدة ينفع الاقتصاد الوطني والبالة تضره؟ تساؤل يطرحه «الحج أبو محمد»، رافضاً ذكر اسمه لتداعيات ذلك على تجارته، فيقول لـ«الأخبار»: استيراد الألبسة الجديدة سبّب إغلاق المعامل المتخصصة، لا البالة، التي لن تؤثر على الصناعة المحلية، لأنّ شريحة محددة تقصدها»، ليضيف: «منذ عام 1986 نطالب بتنظيمها عبر كتب موثقة مرسلة إلى الجهات المعنية التي كانت توافق كل مرة على السماح باستيرادها، لكن دوماً يبطل القرار في اللحظات الأخيرة حفاظاً على مصالح البعض، هي لعبة مصالح لا أكثر ولا أقل».

التهريب لا يحلل الاستيراد

اتسع نطاق محالّ البالة خلال سنوات الأزمة، في تحدٍّ واضحٍ لقرار الاقتصاد بمنع استيرادها، لكن معاون وزير الاقتصاد والتجارة الخارجية، عبد السلام علي، لا يرى في ذلك حرجاً ما دام ليس ضمن اختصاص الوزارة، التي ترفض فكرة أن السماح باستيرادها أفضل من دخولها تهريباً، حيث توجد جهات أخرى كوزارة التجارة الداخلية والجمارك تتولى مسؤولية مكافحة البضاعة المهربة بينما يحكم عمل وزارة الاقتصاد أحكام التجارة الخارجية، إذ تنص على عدم السماح باستيراد الألبسة المستعملة التي ترتبط أيضاً بوزارة الصحة والبيئة والصناعة.
يرد مدير التجارة الداخلية في دمشق، عدي شبلي، على تحميل التموين مسؤولية ضبط أسواق البالة بقوله: «يصعب ضبط المخالفات، لكونها غير نظامية، فلا يوجد بيان جمركي يضمن معرفة أسعار البالة، مع أن دوريات التموين تنظم بعض الضبوط، لكنها ليست الحل، فالأفضل اتخاذ قرار على مستوى الحكومة بتنظيمها لتأثير ذلك الإيجابي على المواطن الفقير». وهو ما يبيّنه أمين سر جمعية حماية المستهلك، جمال السطل، بقوله: «البالة مقصد للفقير والمعدم، وما دام سمح باستيراد الألبسة الجديدة يفترض السماح بها عبر وضع ضوابط عملية تنظم هذه المهنة، وقد طالبت الجمعية مراراً بذلك، لكن لا حياة لمن تنادي».

الوسط الصناعي مُختلف

لا يجتمع الوسط الصناعي على كلمة سواء حول منافسة البالة للصناعة الوطنية، فالصناعي هشام عرب الحلبي يؤكد أن المصلحة العامة تقتضي توافر مختلف أنواع الألبسة «لأن الإنتاج المحلي لا يغطي حاجة السوق جراء معاناة الصناعة بشكل زاد تكاليف الإنتاج وغلاء الألبسة»، بينما يرى بسام سلطان، عضو غرفة تجارة ريف دمشق، أنّ إغلاق محالات البالة «حرام» لتأمينها كسوة للفقراء، لكنه يطالب باستيراد البالة النظيفة فقط والابتعاد عن التجميعية لضررها بالصحة.

البالة زبالة!

لا تروق مهند دعدوش، عضو غرفة صناعة دمشق، آراء زملائه، ليرفض قطعياً فكرة السماح باستيراد البالة خوفاً من دخول البضاعة الجديدة على أنها مستعملة، «فالكل يعلم أن الجمارك ليست دقيقة ببياناتها»، ليمضي في حديثه بمنحنى غير متوقع بقوله: «البالة بضاعة يرميها الأوروبيون، والسوريون لم يصلوا إلى مرحلة القبول بأخذ سلعة يكبها غيرهم. فالبالة زبالة، ويجب ألا تباع في السوق، خاصة أنها توضب دون مراقبة وفحص صحي»، ليكون الحل برأيه بتعزيز التكافل الاجتماعي عبر مساعدة الأغنياء للفقراء، فـ«أهل الخير ما زالوا موجودين»، حسب زعمه!

المنتج الوطني أولى

لا يزال التخبط في إدارة ملف التجارة الخارجية سائداً، فمن المستغرب إصدار قرارات منع استيراد البالة مثلاً بينما لا يتطلب الأمر سوى تنظيم عملية استيرادها، حسب الحلبي ليؤكد «قدرة الصناعة الوطنية على المنافسة في ظل توافر منتجات تضاهي المستورد الأوروبي، لكن سعرها المرتفع يمنع حصول المواطن عليها. ذلك يوجب إيجاد منتج وطني يلبي حاجته دون حرمانه المستورد الجديد أو البالة، التي يتطلب السماح باستيرادها تنظيم الجمارك عبر رسوم جمركية منطقية تحقق لخزينة مليارات الليرات بدل ذهابها لجيوب الفاسدين، خاصة أن التهريب يجري عبر المنافذ الجمركية فقط». هذا الطرح لم يلقَ صدىً حسناً عند دعدوش الذي يطالب بحماية الصناعة الوطنية، متمنياً منع استيراد الألبسة كافة، لكن بحكم تقيد سوريا بالاتفاقيات العربية يكتفي الصناعيون بالحد من استيرادها، مستغرباً ادعاء البعض قدرتها على منافستها الألبسة التركية والصينية، «فمثلاً الرسوم الجمركية المفروضة على الألبسة تحمي الصناعة الوطنية، لكن لا تنفذ فعلياً، فلو طبقت لما طالب الصناعيون بحمايتها لجودة البضاعة المنتجة».
يوافقه معاون وزير الاقتصاد والتجارة الخارجية بتأكيده الصارم للاستمرار بمنع استيراد البالة وسط تجاهل عدم قدرة المواطن على شراء الألبسة الجديدة بقوله: «المنتج الوطني أولى حتى لو كان أغلى ثمناً، فالوزارة تركز على تشجيع المنتج الوطني وتقديم التسهيلات له، فهل يعقل السماح بدخول ألبسة مستعملة بينما نتشدد باستيراد الجديدة».