عبد الحليم فضل الله

هل نرتكب الآن الخطيئة نفسها التي ارتُكبت في التسعينيات، وقت حُمّلت الخزينة العامة عبء فوائد مرتفعة وأكثر مما ينبغي؟ أم أن الأمر ضروري للحفاظ على تألّق القطاع المالي اللبناني في سماء عالمية ملبّدة؟
في العقد الماضي، استحوذت على عقول صانعي القرار في لبنان فكرة يتيمة، هي أنّ الأمان الاقتصادي يحققه الاستقرار النقدي، والحفاظ على معدّل فوائد مرتفع، والهدف هو رفع قدرة البلد على جذب الأموال الكافية، لتغطية إفراط القطاعين العام والخاص وقطاع الأسر في الإنفاق والاستهلاك، وتزيين المؤشرات الاقتصادية برصيد محاسبي موجب لميزان المدفوعات. لقد ساعد ذلك على إقامة واجهة استقرار نقدية، هشّة ومخادعة، لكنه عطّل أجهزة الإنذار المبكر من الأخطار المحدقة والحرائق التي لا دخان لها.
وعلى العموم استعملت سياسة الفوائد المرتفعة للتعويض عن نقص الثقة بأداء الاقتصاد اللبناني وتدهور إنتاجيته، واتبعت في هذه السبيل أساليب متهوّرة، أدت إلى زيادة الأزمة. المشكلة هي أن الاستنتاجات السهلة في لبنان تتحول إلى سياسات دائمة، غالباً ما تقرّرها سلطات غير منتخبة وغير خاضعة للمساءلة الشعبية، وتعبّر الأرقام بدقة عن فداحة الثمن. فما بين عامي 1993 و2004 بلغت خدمة الدين العام المتراكمة حوالى 26 مليار دولار، أي ما يوازي 72 % من مجموع الدين العام الذي تضاعفت أرقامه 12 مرة تقريباً في غضون اثنتي عشرة سنة. ويعود هذا التضخم الهائل إلى سببين رئيسيين: من جهة معدّل مرتفع جداً للفائدة الحقيقية بلغ متوسطه السنوي 15 % للفترة المذكورة، لتبلغ كلفة الفوائد الزائدة غير المبررة اقتصادياً ثلاثة عشر مليار دولار، أي بمعدل سنوي يزيد على مليار دولار، ومن جهة ثانية الإفراط في الإنفاق الحكومي، الأمر الذي عرّض الخزينة لعجز أوّلي متراكم استمر حتى عام 2001، وبلغ مجموعه أكثر من خمسة مليارات دولار.
ساعد الأداء المالي والنقدي الذي أعقب مؤتمر باريس (2) على تفكيك منطق الفوائد المرتفعة، إذ بالتزامن مع زيادة المخاطر السياديّة، أخذت معدلات الفائدة بالانخفاض، وتسارعت وتيرة تدفق الأموال من الخارج، كذلك حقّق الاكتتاب بسندات الدين الحكومي في الخارج فوائض لافتة، وظهرت في بعض الأحيان علاقة عكسية بين معدلات الفائدة من جهة ومساهمة المصارف في الاكتتاب بسندات الخزينة من جهة ثانية. فالمؤشرات المالية والنقدية لم تكن هي السبب في زيادة أو خفض الإقبال على تمويل الدين الحكومي، بقدر ما استند ذلك إلى تفاهمات مباشرة بين الأطراف المعنيين بهذه العملية، الذين عمدوا إلى المبالغة في تقدير المستوى الصحيح للفائدة، إما بسبب استخدامها معادلة مبسّطة للمخاطر، وإما لتواطؤ متعمّد فيما بينها.
في السنوات الماضية، نجح لبنان في وضع سقوف معقولة لمعدلات الفائدة، فتراجعت إلى أقل من مثيلاتها العالمية. بيد أن الفارق ارتفع مجدداً. وبالمقارنة مع فارق لا يكاد يذكر قبل عامين بين الهامش على سندات الخزينة اللبنانية لثلاثة أشهر ومعدلات الليبور، وصل الفارق في آب 2008 إلى 2.41 %، ليرتفع بعد ذلك باطّراد محقّقاً 4.32 % في أيلول الماضي. ولهذه الفجوة كلفتها الكبيرة، فلو رُبطت معدلات الفوائد على الدين العام الداخلي بمعدلات ليبور، لوفّر ذلك على الخزينة ما لا يقل عن مليار دولار من خدمة الدين في عامي 2008 و 2009، وسيتضاعف هذا الوفر لو طبقنا الأمر نفسه على مجمل الدين العام.
لكن لدى مؤيّدي الفوائد المرتفعة بضعة مبررات، تستحق النقاش:
ففي رأيهم، لا بد من منح المصارف التجارية علاوة فائدة حتى تحافظ على وتيرة إقراضها الراهنة للدولة. لكنّ المصارف تعاني الآن من تخمة في السيولة، ومن مصلحتها العثور على توظيفات مالية مأمونة تحقق لها عائداً لا يقل عما ستجنيه في الأسواق الخارجية الخطرة. ولن يؤدي خفض الفوائد على أي حال إلى تدهور كبير في أرباحها، فمجمل الديون المصرفية للقطاع العام لا يزيد على ربع موجوداتها و28 % من ودائعها.
في رأي هؤلاء أيضاً، الفارق بين الفوائد المحلية والعالمية ليس عالياً، وهو يوازي فحسب المخاطر السيادية للقطاع العام


سياسة الفوائد المرتفعة استعملت للتعويض عن نقص الثقة بأداء الاقتصاد

وللاقتصاد عموماً. هنا لا يؤخذ في الاعتبار أن التصنيف الائتماني للبنان هو الآن أفضل مما كان عليه قبل عامين، عندما تجاوزت الفوائد العالمية مثيلاتها المحلية، بينما نالت الأزمة من الأسواق المالية العالمية وهزّت الثقة بالمصارف الكبرى.
مبرر آخر. إنّ الحفاظ على هامش مرتفع للفائدة أمر لا مفرّ منه حتى تتمكن المصارف اللبنانية من منافسة المراكز المالية الإقليمية. الأرقام لا تؤيّد هذا المبرر. ففيما بلغ معدل الفائدة بين المصارف في أيلول الماضي 3.25 % (لثلاثة أشهر) لليرة اللبنانية، أي أعلى من المعدل نفسه في الولايات المتحدة الأميركية بـ2.96 نقطة، بلغت هذه النسبة 0.2 % فقط للريال السعودي، و0.53 % للدينار الكويتي، وما يتراوح بين 0.29 % و0.59 % لعملات البحرين، وعمان، والإمارات وقطر. وبالمقارنة مع دولة غير نفطية هي الأردن، كان هامش الفائدة على سندات الخزينة اللبنانية أعلى بـ1.7 نقطة من الهامش المماثل، ولم يوازِ المعدلات اللبنانية في الارتفاع إلا معدلات دولة مأزومة هي العراق.
إذا كانت سياسة الفوائد المرتفعة قد صبّت في مصلحة قطاع دون آخر وفئة دون غيرها، فإن اعتماد سياسة معاكسة يقدّم مكاسب وفيرة للجميع. فمع ولادة حكومة الشراكة، لدينا فرصة للقيام بأمور مختلفة، مثل كسر قواعد التفكير الرتيبة، وتمزيق الأوراق التي تقدم وجبة لا تتغيّر. فمن حقنا تذوّق طبق مختلف حتى لو كثر طبّاخوه، ولن يكون الأمر أكثر سوءاً مما فعله حتى الآن طبّاخ واحد!
* رئيس المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق