علي حيدر

خاص بالموقع - بعدما أكد رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، أن «لا تقدم في المفاوضات (مع الفلسطينيين) من دون التزامات صريحة من الولايات المتحدة»، أكدت مصادر سياسية إسرائيلية أن سبب تأخر التعهد الأميركي المكتوب يعود إلى عدم استعداد واشنطن للتعهد خطياً بأنهم لن يطالبوا بتجميد إضافي للاستيطان. وتابعت أنه «كما تبدو الأمور في هذه اللحظة، قد لا يكون هناك تعهد مكتوب». وأشار نتنياهو، خلال لقاء مع نشطاء من حزبه «الليكود» في متسودات زئيف، إلى أنه «إذا لم يكن ثمّة شيء موثَّق فلن يكون بوسعنا التقدم»، مبرراً ذلك بالقول «الواقع معقّد، وثمة حاجة الى التزام أميركي صريح».
ودعا «بيبي» إلى عدم الاستخفاف بحصول إسرائيل على «طائرات تغير التوازن الاستراتيجي»، رابطاً ذلك بمقولة أن «اتفاق السلام لا يعني أن يكون سلام، وبالتالي نحن ملزمون بترتيبات أمنية».
بموازاة ذلك، دعا رئيس الوزراء السابق ايهود أولمرت إلى قبول الطلب الأميركي تجميد البناء في الضفة الغربية، مشيراً إلى أنه «إذا قال لي رئيس أكبر دولة في العالم، وأكثر صداقة لإسرائيل، «أعطني شهرين»، فسأقول له «سيدي الرئيس، لماذا شهران، خذ ثلاثة»».
في المقابل، اتهمت صحيفة «يديعوت احرونوت» نتنياهو بأنه، عندما تحدث عن إهداء الولايات المتحدة لإسرائيل 20 طائرة من طراز «أف 35» جديدة في مقابل التجميد، كان يدرك أن الرئيس الأميركي لا يستطيع التزام تقديم هدية إلى إسرائيل، تصل قيمتها إلى أكثر من ملياري دولار، (إلى جانب المساعدات الخارجية الثابتة) في ظل الظروف الاقتصادية الحالية التي تمر بها الولايات المتحدة، وإلا فسيتحول ذلك إلى ما يشبه الانتحار السياسي. ووصفت الصحيفة ما جرى بأنه إحدى حيل نتنياهو لكسب الوقت والتهرب من قرار يتعلق باستئناف المفاوضات مع الفلسطينيين.
أما بخصوص ارتباط المساعدات الأميركية بتجديد المفاوضات مع الفلسطينيين، فقد كشفت «يديعوت» أن القصة بدأت منذ ثمانية أشهر، مع الجولات التي قام بها رئيس مقار القيادة المشتركة الأميركي، الجنرال جيمس كريترايت، بين وزارة الدفاع الأميركية ومكتب رئيس شعبة التخطيط أمير ايشل، وجولات ضباط إسرائيليين كبار إلى واشنطن. زيارات هدفها التعرف إلى الاحتياجات الأمنية لإسرائيل وصياغة رزمة مشتركة تتمكن بموجبها تل أبيب من مواجهة التهديدات المحدقة بها خلال العشرين سنة المقبلة، تصل كلفتها إلى ثلاثين مليار دولار يفترض أن تنتهي في عام 2017، في سياق التزام أميركي يبلغ مداه إلى عام 2030 على الأقل.
وأضافت الصحيفة أن صياغة الرزمة الحالية بدأت أواخر ولاية الرئيس جورج بوش، عبر مباحثات بين الجنرال الأميركي جيم جونز، وهيئة أركان الجيش الإسرائيلي، بشأن الاحتياجات الأمنية الإسرائيلية، انطلاقاً من الالتزام الأميركي الأساسي بأمن إسرائيل، وتعبيراً عن رؤية عامة تقول إن إسرائيل الآمنة هي «إسرائيل السخيّة»، التي تتعاون مع جهد سياسي أميركي في الشرق الأوسط.
بعدما تولّى جونز رئاسة مجلس الأمن القومي، في ظل إدارة أوباما، أصدر وثيقة يعرض فيها التهديدات الأمنية المحدقة بإسرائيل، والردود الممكنة، ويحدد فيها ثلاث دوائر تهديد: دائرة الإرهاب، ودائرة الدول القريبة ودائرة الدول البعيدة، وتشتمل على القضية النووية وإيران. في أعقاب ذلك، تبنّى نتنياهو هذه الوثيقة بقوة، وتمسك بها في جميع رحلاته إلى الولايات المتحدة، حتى أصبحت نظرية الدوائر الثلاث أساس التصور الأمني لإسرائيل مع الإدارة الأميركية الحالية. واستمرت الاتصالات بين وزارة الدفاع الأميركية ونظيرتها الإسرائيلية، لتحقيق هذا التصور، من دون أية عقبات حتى في ظل أصعب فترات العلاقة بين ديوان رئيس الحكومة والبيت الأبيض. ولفتت الصحيفة الإسرائيلية إلى أن من أبرز نتائج هذه الاتصالات، تبادل المعلومات مع الأميركيين حول التهديد الإيراني، بمستوى وعمق غير مسبوقين، ورفع قيمة المعدات العسكرية الأميركية التي يخزنونها في البلاد من 800 مليون دولار إلى مليار و200 مليون دولار. وفي هذه الأجواء انطلقت صفقة تزويد إسرائيل طائرات «أف 35»، وتلقت إسرائيل سلاحاً طالما امتنعت الولايات المتحدة عن إعطائه لها في الماضي.
أما المحطة الفاصلة فقد كانت في شهر تموز الماضي، عندما فاجأ نتنياهو الرئيس الأميركي بالقول «إذا أعطيتني عشرين سنة ضماناً للأمن في الدوائر الثلاث، تُفاجئك المخاطر التي سأتحملها، سأفاجئ جميع المشككين وأمضي نحو مسيرة سياسية». عندها صافحه أوباما قائلاً «نفذنا صفقة، سأحل لك القضايا الأمنية وتحل أنت الموضوع السياسي». لكن الرئيس الأميركي لم يدخل في التفصيلات، ولم يسأل نتنياهو عن التسوية التي يقصدها مع الفلسطينيين، وما هو موقفه من القدس واللاجئين.
بعد الزيارة، أصدر الرئيس الأميركي توجيهاته لتسريع استكمال سلة الالتزامات بأمن إسرائيل. ورويداً رويداً، بدأت صياغة تصوّر يحدّد التهديدات والردود المطلوبة، ويطوّر الجيش الإسرائيلي نفسه بموجبه، في جميع المجالات، خلال عشرين سنة، وظهرت في القائمة مادة تتناول تزويد إسرائيل بطائرات «أف 35» أخرى، وصولاً إلى تشكيل ثلاث وحدات طيران من طائرات الشبح.
في أعقاب ذلك، طلب نتنياهو من وزيره باراك أن يقترح على الأميركيين تزويد إسرائيل بعشرين طائرة أخرى، مقابل موافقة إسرائيلية على استئناف المفاوضات، انطلاقاً من أن هذا الأمر يمكن أن يقنع أعضاء المجلس الوزاري المصغر والجمهور في إسرائيل.
بعد ذلك، تبادل باراك ونائب رئيس مجلس الأمن القومي، دنيس روس عدّة مسوّدات وتدارس الطرفان موضوع الطائرات، لكن لم يُدرج في المسودات لأن الرئيس لا يستطيع الالتزام بهدية كهذه عشية انتخابات الكونغرس. في نهاية الأمر، وُضعت صيغة صفقة تلتزم إسرائيل بموجبها تجميد الاستيطان لمدة ثلاثة أشهر، على أن تلتزم الإدارة الأميركية مقابل ذلك وجوداً إسرائيليّاً في غور الأردن لسنين طويلة، وأن يكون هذا التجميد هو الأخير وألّا يشمل القدس المحتلة. كما ينص الاتفاق على أن تستخدم الولايات المتحدة حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن في مقابل أي محاولة فلسطينية للحصول على اعتراف دولي بالدولة الفلسطينية. هكذا تحولت الرزمة الأمنية لعشرين سنة، فجأة، إلى مادة مشروطة بتوصل إسرائيل إلى تسوية نهائية مع الفلسطينيين. وبحسب «يديعوت»، فإن «بيبي» هو من تسبّب بالربط بين المفاوضات السياسية وتطوير القوة العسكرية الإسرائيلية عندما تعهد في شهر تموز أمام أوباما بأن يفاجئه بالمسيرة السياسية. في نهاية المطاف، تواجه المساعدات الأميركية المفترضة لإسرائيل، عقبات تتصل بمطالبة عدد من أعضاء الكونغرس الجدد بخفضها، وفي السياق، ذكرت صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية أن نتنياهو لقي ترحيباً من الزعيم المقبل للأكثرية في الكونغرس، إريك كانتور، ومن جمهوريين آخرين. لكنها لفتت إلى أن كثيراً من المدعومين من «حزب الشاي» يدخلون الكونغرس وهم يدعمون السياسات الانعزالية للولايات المتحدة ومصممون على خفض المساعدات الخارجية بغضّ النظر عن وجهتها. وأضافت الصحيفة أنه، في المقابل، هناك الكثير من الأصوات الجمهورية التي تقف إلى جانب إسرائيل.