«لا غالب ولا مغلوب» هي القاعدة التي رسمتها السعودية والإمارات للمعادلة التي تحكم وكلاءهما في اليمن بشأن القضايا المحلية. إعلان «المجلس الانتقالي الجنوبي» (الذي يرفع شعار الانفصال) «حالة الطوارئ والإدارة الذاتية»، ليل السبت ــ الأحد، في محافظات جنوب اليمن وشرقه (دولة جنوب اليمن سابقاً)، لم يُحدث على خريطة تقاسم النفوذ بين وكلاء «التحالف» أي تعديل، إذ ستبقى المحافظات الشرقية، حضرموت وشبوة والمهرة، أقرب إلى «الشرعية» (حكومة الرئيس المنتهية ولايته، عبد ربه منصور هادي، مدعوماً من حزب «التجمّع اليمني للإصلاح»، أي «الإخوان المسلمون» في اليمن). أما المحافظات الجنوبية، عدن ولحج والضالع، فستبقى بيد «الانتقالي»، مع تقاسم أبين بين الطرفين.

أياً تكن الإجراءات الأحادية للأطراف المحلّيين المنضوين تحت لواء التحالف، فإنها محكومة بالسقوف الموضوعة من الرياض وأبو ظبي اللتين إن كانتا متفقتين على معظم التفاصيل في إدارة المحافظات المحتلة، فإن ذلك لا يلغي جوانب الاختلاف المعلّقة، وأهمّها:
ــ العلاقة مع «الإصلاح»: تتبنّى الرياض الحزب الإخواني وتدعمه بالمال والسلاح، فيما تعمل أبو ظبي على استئصاله من المعادلة. وتحاول المملكة إقناع الجانب الإماراتي بالاستفادة من «الإصلاح» راهناً في مواجهة حركة «أنصار الله»، وتأجيل بتّ دوره إلى ما بعد انتهاء الحرب.
ـــ تسعى الإمارات إلى انتزاع موافقة سعودية على نفوذها في المحافظات الجنوبية، ولا سيما في ميناء عدن وباب المندب وجزيرة سقطرى، لكن الرياض تماطل في الاعتراف الرسمي بهذا النفوذ وترهنه باستمرار الإماراتيين في الحرب. وعلى الرغم من أن أبو ظبي أعلنت انسحابها من الحرب أكثر من مرّة، بقي ذلك في الإطار الإعلامي.
هكذا، تعامل الجنوبيون مع إعلان «الانتقالي» بكثير من البرود، فلم تتفاعل معه المكوّنات والفصائل والحراك الثوري على أنه خطوة باتجاه الوصول إلى أهدافهم، أو كخطوة أولى نحو حلم يراود عدداً منهم بالانفصال. ويعود منشأ الفتور إلى أن المجلس منسجم بالكامل مع الأجندة الإماراتية على حساب «القضية الجنوبية»، وأن جانباً من صراعه مع «الشرعية» يعود إلى صراع الإمارات مع «الإصلاح»، فيوظّف هذا الصراع خدمة لمشروعها لا أكثر. كما أن الناس ملّت من تكرار نزاع «الانتقالي» و«الشرعية» في عدن وغيرها، في حين تقطن قيادات الطرفين في أفخم الفنادق في أبو ظبي والرياض، ويعاني المواطنون مرارة الصراع.

تعامل الجنوبيون مع إعلان «الانتقالي» بكثير من البرود


قبل إعلان «الانتقالي»، شهدت عدن وبقية المحافظات المحتلة غضباً شعبياً كبيراً من جرّاء التوقّف شبه الكامل لإدارة البنى التحتية، ما أغرق عدن من جرّاء السيول التي اجتاحت أحياء ومديريات فيها منتصف الأسبوع الماضي، فأُعلنت إثر ذلك مدينة منكوبة. وفيما وقف «الانتقالي» و«الشرعية» موقف المتفرّج، ارتفعت أصوات تحمّلهما، إلى جانب رعاتهما الإقليميين، مسؤولية انزلاقها وبقية المحافظات المحتلة إلى الفوضى وتبعات الكوارث الطبيعية، وهو ما يحدث للمرّة الأولى منذ الاستقلال أواخر الستينيات.
قضية السيول التي ضربت عدن (أدّت إلى جرف مئات السيارات وغرق الطرقات ودخول المياه إلى الطوابق السفلى، ما أدّى إلى مقتل عشرة على الأقل)، فتحت «معركة سياسية» بين «الانتقالي» والسعودية التي تدير الأوضاع في هذه المحافظات من مدّة مع حكومة هادي. على إثرها، منع المجلسُ الوفدَ الحكومي برئاسة معين عبد الملك من القدوم إلى عدن لمتابعة السيول، بعد انتظار استغرق ساعات في مطار الرياض، بحجّة أن «اتفاق الرياض» (هو بحكم الميّت سريرياً الآن) ينص على تنفيذ الشق السياسي قبل أي شيء آخر، فيما تصرّ حكومة هادي على تنفيذ الشقّ الأمني والعسكري بما ينسجم مع رؤيتها للمصفوفة التنفيذية للاتفاق.
وعليه، إن خطوة «إعلان الإدارة الذاتية» لن تكون ذات قيمة عملية أو سياسية، بل تزيد الوضع تعقيداً أمام المجلس إذا لم تبادر الإمارات إلى تأمين الموارد المالية للموظفين والموازنات التي تسيّر المؤسّسات الرسمية. ومعروف أن الموارد الجمركية من الموانئ والمرافق الأخرى لم تغطِّ كامل الاحتياجات المالية للمحافظات الجنوبية التي تنطبق عليها «الإدارة الذاتية». ومن المؤكد أن أبو ظبي عاجزة عن الإيفاء بأي التزامات إضافية، ولا سيما أنها لم تفِ بالتزاماتها السابقة للفصائل العسكرية (90 ألف مقاتل) التي أنشأتها أثناء تحمّلها مسؤولية المحافظات، وأبقتها من دون رواتب منذ تركها عدن الخريف الماضي. وتركت صياغة بيان «الإدارة الذاتية» الباب موارباً بعدم إعلانه أن خطوته ذات أبعاد سياسية، وجاءت الصياغة أقرب إلى التمرّد الإداري الوظيفي احتجاجاً على تقاعس الجهات الرسمية عن وظائفها وواجباتها، ورفضاً لحالة الفساد المستشرية في المؤسّسات الرسمية والغياب التام للخدمات.
في المقابل، يرى سياسيون جنوبيون أن الإعلان هرب من التهم المنسوبة إلى المجلس بمفاقمة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية لكونه يمسك بالكثير من مفاصل المؤسّسات الرسمية ويشكّل غطاء أمنياً وسياسياً لبسط السلطة على أراضي الدولة التي صادرها عناصر محسوبون عليه، إضافة إلى ظهور عصابات منظّمة للنهب والسرقة وفرض الخوات في مناطق نفوذه.