الخرطوم | على نحو مفاجئ، أعلن قائد «قوات الدعم السريع»، محمد حمدان دقلو، الشهير بـ«حميدتي»، سحب عشرة آلاف من قواته المشاركة في الحرب التي يشنها «التحالف» بقيادة السعودية على اليمن. وعلى رغم أن سحب تلك القوات يأتي مع انتهاء مدة خدمتها، إلا أن «حميدتي» أكد أنه لا ينوي استبدال قوات أخرى بها، ما يعني تخفيف عدد المشاركين في حرب اليمن، والذين يُقدَّرون بنحو ثلاثين ألف مقاتل وفق إحصاءات غير رسمية. ويقول مصدر في الجيش، لـ«الأخبار»، إن الأسباب التي دفعت حميدتي إلى قراره ذاك هي «الحاجة إلى تلك القوات في التصدي لجماعة بوكو حرام التي تنشط في الجنوب الغربي من حدود البلاد وتتمدّد حتى الحدود مع ليبيا، وهي باتت تشكل خطراً على السودان». وفي هذا الإطار، كان لافتاً التحذير الذي أطلقه المفكر السوداني، الحاج وراق، الأسبوع الماضي، من تسلّل عناصر من «بوكو حرام»، إذ قال في منتدى في الخرطوم: «لديّ معلومات عن تسلل عناصر من بوكو حرام تحت عنوان تطبيق الشريعة الإسلامية، في محاولة لاستمالة العاطفة العامة للمسلمين». وفي تعليقه على هذه التصريحات، ناشد القيادي في قوى «الحرية والتغيير»، محمد عصمت، الأمن «أخذ الحيطة والحذر من هجمات إرهابية محتملة». والواقع أن تمدّد «بوكو حرام» داخل السودان غير مستبعد، كما يرى المختص في الشأن الأفريقي، حسن مكي، الذي يلفت إلى أن الجماعة موجودة «في مثلث البرنو الذي يمتدّ من نيجيريا إلى تشاد والكاميرون والسودان... التواصل عبر التقاطع القبلي موجود، لذا من غير المستبعد تمدّد الجماعة داخل هذا المثلث». ويضيف مكي، في حديث إلى «الأخبار»، إن تمركز الجماعة الأساسي هو داخل منطقة ميدغري (عاصمة ولاية البرنو)، وهي حالياً «تسعى إلى إعادة سيطرتها على الإقليم كله».
لم يُعلن بِدقّة عدد القوات التي سحبت، لكن لن يُرسَل بديل منها


في مقابل السبب الذي تسوقه مصادر الجيش، ذكرت وكالات أنباء عالمية أن قائد «الدعم السريع» اتفق مع السعوديين على أنه لن تحلّ محلّ القوات المعادة قوات أخرى، لأن «القتال على الأرض تضاءل خلال الأشهر الأخيرة». لكن دقلو وافق على بقاء آلاف من الجنود هناك «لتدريب القوات اليمنية»، من دون الكشف عن عديد القوات التي غادرت على مدى الشهرين الماضيين. وعلى رغم أن السبب المُعلَن لخطوة «حميدتي» يبدو واقعياً، إلا أنه من وجهة نظر البعض يمثل غطاءً لأسباب مغايرة. إذ تزامنت عودة الجنود من اليمن مع سحب قوات من «الدعم السريع» من نقاط مختلفة من الخرطوم، لتتمركز مكانها قوات تتبع الجيش قبالة القصر الجمهوري وعند مداخل الجسور التي تؤدي إلى العاصمة. كما رافق ذلك حضور كثيف على المستوى الشعبي عبر تسيير القوافل الصحية إلى الولايات، والمساهمة في حلّ أزمة المواصلات بتسخير السيارات التابعة لـ«الدعم السريع» لنقل المواطنين، وهو ما يُقدّر أن يسهم في محو الصورة السلبية لدى الشارع عنها، وخاصة أنها المتهم الرئيس بارتكاب مجزرة القيادة العامة في حزيران/ يونيو الماضي. ومن هنا، يرى مراقبون أن تلك الخطوات تندرج في إطار سعي «حميدتي»، في ظلّ انشغال حكومة عبد الله حمدوك بالمشكلات الاقتصادية الموروثة من العهد السابق، إلى تكوين دولة داخل دولة، بالاستفادة من الثروة الهائلة التي يمتلكها من سيطرته على ذهب جبل عامر في دارفور (غرب)، والتي تضخّ في خزينته الخاصة، وفق مصادر مطلعة، ما يربو على مليون دولار شهرياً. ويلفت أصحاب هذا الرأي إلى أن طموحات دقلو لن يحدّها منصب عضو في «السيادي»، ولذا فهو يسعى إلى دور في المشهد السياسي.
في المقابل، يرى المحلل السياسي، حاج حمد، أن سحب «الدعم السريع» وتجنب إرسال آخرين «خطوة في الاتجاه الصحيح، شريطة أن يتم ذلك باتفاق مع دول التحالف، وأن يكون الانسحاب متدرّجاً... هكذا يكون الانسحاب خطوة في إكمال سياسة السودان الخارجية الجديدة». ويقول حمد لـ«الأخبار» إن «تعقيدات الوضع الإقليمي تتطلّب عدم اتخاذ موقف أحادي من حميدتي، بل يجب أن يكون موقف دولة تتبعه خطوات دبلوماسية لتوضيح أن السودان ليس طرفاً في الحرب على اليمن»، مضيفاً: «يفترض أن تتبع ذلك إعادة هيكلة الجيش ودمج الدعم السريع فيه، ولا سيما مع مساعي السلام التي تتبنّاها الحكومة مع الحركات المسلحة لإعادة دمج قواتها ونزع سلاحها. هذا كلّه يتطلّب وجود جيش موحد دون قوات موازية له». يُذكر أن سحب القوات السودانية من اليمن شكّل أحد أبرز مطالب الثورة التي أطاحت عمر البشير، ولا سيما بعد فقدان الكثير من الأرواح هناك. غير أن القائد الأعلى للقوات المسلحة ورئيس «المجلس السيادي»، عبد الفتاح البرهان، لطالما أكد التزام السودان بما تم الاتفاق عليه في السابق مع السعودية والإمارات في شأن اليمن، راهناً مغادرة القوات السودانية بما يقرره «التحالف».