على عكس ما أعلنته الأمم المتحدة في شأن الاجتماعات التي عقدتها «لجنة تنسيق إعادة الانتشار» المعنية بتنفيذ اتفاق الحديدة، يومَي الأحد والاثنين الماضيين على متن السفينة الأممية «Antarctic Dream»، فإن الاجتماعات الثلاثة انتهت من دون أي تقدم يُذكر، سوى اتفاق الطرفين على الآلية التي وضعتها الأمم المتحدة لوقف إطلاق النار، وهو ما قد لا يجد طريقه إلى التنفيذ من دون أن تسبقه عملية الانسحاب ونزع الألغام من قِبَل الطرف الموالي لـ«التحالف». في هذا الإطار، قدم وفد «أنصار الله» مقترحات تحدّد مسافات إعادة الانتشار للقوات التابعة لـ«التحالف» من الجهتين الجنوبية والشرقية بـ 50 كلم للمدرعات، و20 كلم لقوات المشاة، مقابل إعادة الانتشار أيضاً من قِبَل قوات الجيش واللجان الشعبية من الجهة الشمالية بالقدر نفسه. وهي مقترحات لم يوافق عليها وفد حكومة الرئيس المنتهية ولايته، عبد ربه منصور هادي، فضلاً عن أنه لم يقدم خرائط الألغام في مناطق سيطرته في محيط المدينة. ووفقاً لمصدر في «أنصار الله»، تحدث إلى «الأخبار»، فقد «اقترح وفد صنعاء تنفيذ المرحلة الأولى والثانية بشكل متتالٍ، بينما اقترح الوفد الآخر تنفيذ جزء من البند الأول فقط، وترك الباقي إلى وقت غير محدد، مفضّلاً البقاء على أطراف مدينة الحديدة، وهو ما دفع برئيس اللجنة، الجنرال مايكل لوليسغارد، إلى الرد على وفد هادي بمباركة تنفيذ الخطوة الأولى لإعادة الانتشار من طرف واحد، الأمر الذي أثار امتعاض رئيس وفد هادي في اللجنة اللواء صغير بن عزيز».

مشاورات الجلسة الأولى التي انعقدت مساء الأحد سادها التوتر، وخصوصاً في ظلّ تمسّك وفد حكومة هادي بطرحه نفسه، على رغم مضيّ أكثر من 180 يوماً على آخر اجتماع عقدته اللجنة. وبسبب ذلك، أكد رئيس وفد صنعاء، اللواء علي الموشكي، عقب انتهاء تلك الجلسة من دون تقدم، أن «الشعب اليمني لا ينتظر لقاءات لا تدفع باتجاه رفع المعاناة، ولسنا في وارد تسجيل نقاط إعلامية، فقد جئنا لنخرج بما يرفع معاناة شعبنا، ولدينا الكثير من المقترحات والمبادرات، ومستعدون لأن نقدم المزيد من التنازلات للدفع باتفاق السويد إلى الأمام». أما في الجلسة الثانية، فجرت مناقشة العراقيل التي تحول دون فتح الممرّات الإنسانية بشكل كامل. وفي هذا الإطار، طالب وفد صنعاء بإلزام الطرف الآخر بتنفيذ ما يجب عليه القيام به من فتح طريق كيلو 16، بعدما انسحبت قوات الجيش واللجان الشعبية من موانئ الحديدة الثلاثة (الحديدة والصليف ورأس عيسى).
ووفقاً للمصادر نفسها، فقد لوّح وفد حكومة هادي، قبيل انطلاق المشاورات، بأن هذه الاجتماعات قد تكون الأخيرة. تلويح يأتي في وقت تسلّمت فيه السعودية قيادة العمليات في الساحل الغربي، بعدما عمدت الإمارات إلى إعادة ترتيب صفوف الميليشيات الموالية لـ«التحالف» ضمن غرفة عمليات مشتركة، أعلنت الأسبوع الماضي جاهزيتها لتنفيذ عملية عسكرية واسعة في الحديدة. وترافقت تلك التهديدات مع وصول تعزيزات عسكرية كبيرة إلى محيط المدينة، حتى خلال انعقاد المشاورات. كلها معطيات أراد الطرف التابع لـ«التحالف» ترتيبها مسبقاً ليتسلّح بها خلال الاجتماعات، التي حاول إعادتها إلى النقطة الصفر، متهرّباً من الخوض في أي نقاش حول إعادة الانتشار، وأيضاً من حسم التفسير المزدوج لاتفاق الحديدة، وخصوصاً في ما يتعلق بالسلطة المحلية التي سوف تتسلم إدارة المدينة؛ إذ يطالب فريق «التحالف» بالعودة إلى ما قبل عام 2014، فيما تتمسك سلطات صنعاء بشرعية الموظفين الأمنيين والإداريين الموجودين حالياً.
هكذا، تمكّن فريق «التحالف»، الذي طالب أيضاً بعقد اجتماعات «لجنة التنسيق» داخل الحديدة، من ترحيل الاتفاق على الخطوة الثانية من إعادة الانتشار، وهوية السلطة المحلية، والملف المالي، ليتم الاقتصار على إعلان آليات جديدة لتعزيز اتفاق وقف إطلاق النار، ينتقل بموجبها ضباط الارتباط إلى نقاط التماس لتخفيف التوتر والتصعيد. كذلك، اتفق الطرفان على تشكيل لجان مشتركة في ما بينهما، برعاية الأمم المتحدة، لمراقبة وقف إطلاق النار. ولعلّ ذلك هو ما جعل الأمم المتحدة تصف ما جرى بـ«الاتفاق الفني». وفي هذا السياق، أعلنت «لجنة التنسيق» أن الملفات الشائكة، والتي تُعدّ ملفات سياسية، ستحال إلى المبعوث الأممي لدى اليمن، مارتن غريفيث، لبتّها.
بناءً على ما تقدم، يمكن القول إن الاجتماعات الأخيرة انتزعت اعترافاً ضمنياً بتنفيذ المرحلة الأولى من إعادة الانتشار، والذي رفضت حكومة هادي الاعتراف به منذ شهرين، لكنها رحّلت الملفات الخلافية الذي تهدّد بفرط تفاهم استوكهولم، وخصوصاً في ظلّ اشتراط حكومة هادي الاتفاق على هوية السلطة الإدارية والأمنية في المدينة، قبل تنفيذ أي انسحاب عسكري من مواقع سيطرتها.