لا يبدو أن تحول حركة «أنصار الله»، في العام الخامس من العدوان على اليمن، من الدفاع إلى الهجوم على الجبهات الداخلية، وليدَ لحظته، إنما هو نتاج لجملة عوامل تراكمت تباعاً حتى أدت إلى التحول المذكور. من بين تلك العوامل اعتدال المزاج الشعبي في المحافظات الجنوبية، وانزياحه بعيداً عن ضغط الدعاية السعودية ــــ الإماراتية التي رافقت انطلاق الحرب وتطورها والقائمة على استثارة النعرات المذهبية والقومية وغيرها، بل وذهابه في اتجاه رفض «الاحتلال» الذي لم يجلب لأهالي هذه المحافظات سوى التباب. عزّز ذلك الانقلابَ فشلُ الرياض وأبو ظبي والقوى المحلية الموالية لهما في تقديم نموذج إداري وأمني وخدماتي واقتصادي يوفر ولو الحدّ الأدنى مما يتطلع إليه السكان، وتسبّب الأطراف المشار إليها في عموم الفوضى وتسيّب الأمن وتدهور الأوضاع المعيشية المتردّية أصلاً، فضلاً عن استرخاص الشباب الجنوبي المستخدم كوقود لمعارك «التحالف». في المقابل، كان الناس يرون صنعاء المحارَبة والمحاصَرة تصدّر نموذجاً مغايراً من سيادة الأمن وحكم القانون، على رغم صعوبة الظروف التي تمرّ بها، شأنها شأن بقية المحافظات الخاضعة لسيطرة حكومة الإنقاذ. هذه المفارقة تجلّى الموقف الشعبي منها بوضوح خلال معارك محافظتَي البيضاء والضالع الأخيرة، حيث انحازت القبائل إلى صفوف الجيش واللجان الشعبية وعبّدت أمامهما طريق التقدم باتجاه الجنوب.

على أن هذا التبدل لا يقتصر على الشرائح الشعبية، بل يشمل أيضاً شخصيات وقيادات عملت تحت لواء «التحالف»، وكان لها سهمها في خدمة أجندته. هؤلاء، الذين يتنوعون ما بين ضباط ومسؤولين حزبيين وإعلاميين وزعماء قبائل، أظهرت صنعاء، مبكراً، بوادر استعدادها لاستقبالهم، وعملت على وضع خطة مزمنة لاستقطابهم، تراعي الظروف الموضوعية والقدرات الاستيعابية. ولعلّ قرار العفو الذي أصدره رئيس «المجلس السياسي الأعلى»، مهدي المشاط، أواخر العام الماضي، مثّل ذروة تلك الاستعدادات، في الوقت نفسه الذي أرسل فيه إشارة «تسامح» للمتعاونين مع السعودية والإمارات، وشكّل لهم محفزاً على «العودة». إشارة كمّلها إظهار «أنصار الله» مرونة كبيرة في إدارة ملف العسكريين الذين يخدمون في صفوف القوات الموالية للرئيس المنتهية ولايته عبد ربه منصور هادي؛ إذ إنها كانت تتغاضى عن عودتهم إلى منازلهم في المحافظات الشمالية لقضاء إجازاتهم. كل العوامل المتقدمة، إلى جانب الاستمرار في إطلاق سراح مَن تسمّيهم صنعاء «المغرّر بهم» وآخرهم 336 شخصاً أُفرج عنهم أول من أمس، ولّدت موجة رجوع ــــ قد تكون الأكبر ــــ لوجوه من مشارب مختلفة على رأسها السلفية و«الإصلاح» (إخوان مسلمون) و«المؤتمر الشعبي العام» وفصيل ابن شقيق الرئيس السابق طارق محمد عبد الله صالح. ومن بين أبرز العائدين خلال الساعات الماضية ــــ وفق المعلومات ـــ أركان حرب اللواء الخامس عبده حسن السبعة، وقائد الشرطة العسكرية في محور الجوف أحمد ناصر المجنحي، وقائد السرية الثالثة في الكتيبة الثالثة في اللواء الخامس معاذ طه الهتاري، وسعد محمد النمري من عمليات كتيبة هيلان مأرب، بالإضافة إلى عدد من الصحافيين.

استقبلت صنعاء أخيراً عدداً من القيادات العسكرية التي حاربت إلى جانب «التحالف»


موجة الارتداد هذه أسهم في نشوئها، أيضاً، تصاعد الخلافات داخل الجبهة الموالية لـ«التحالف» مثلما حدث بين «الإصلاح» والسلفيين في محافظة مأرب. إذ عمد «الإصلاحيون» إلى إقصاء السلفيين بشكل كامل هناك، واستحوذوا على أغلب الصروح الدينية التابعة لهم، ما دفع الأخيرين إلى تفعيل اتصالاتهم مع صنعاء، حيث تم الاتفاق على تسليمهم المساجد الخاصة بهم في العاصمة وبقية المحافظات الشمالية، وإعادة إفساح المجال أمامهم لممارسة نشاطهم الدعوي والخطابي. ويشكل تنازع «الإصلاحيين» والسلفيين في مأرب جزءاً من العداوة المستعرة بين الجانبين في أكثر من محافظة، من بينها تعز، التي شهدت معارك شرسة بين «الإصلاح» و«كتائب أبو العباس» السلفية المدعومة من الإمارات، تم على إثرها طرد «الكتائب» من مركز المحافظة.
هذا الخصام ليس، بدوره، إلا نموذجاً مما يعتمل داخل الجبهة الموالية لـ«التحالف»، والذي جاء التعبير الأكثر صراحة ووضوحاً عنه أخيراً على لسان وزير الداخلية في حكومة هادي، أحمد الميسري. الوزير المحسوب على حزب «المؤتمر»، والذي كان قفز من سفينة علي عبد الله صالح عام 2011 لينضمّ لاحقاً إلى جناح الرئيس المنتهية ولايته، أطلق خطاباً نارياً وُصف في أوساط «الشرعية» بأنه الأهم ضد الرياض وأبو ظبي، مخاطباً إياهما بالقول إن «السير معوج»، في تعبير عن مستوى الدرك الذي وصل إليه تعامل السعودية والإمارات مع القوى الحليفة لهما. تعاملٌ كان واضحاً منذ البداية أنه لا يتجاوز حدود استغلال تلك القوى من أجل إضفاء الشرعية على حرب «التحالف» وممارساته في اليمن، في مقابل مكاسب وامتيازات مادية، لكن المستغَلّين تعامَوا عن حقيقة ما سيؤدي إليه هذا المسار، وظلّت الحسابات الانتهازية تتحكّم بهم إلى أن انتهى بهم المطاف متلقّين للأوامر ليس إلا. مع ذلك، يقول الميسري: «نحن نعتقد أننا دولة، وما زلنا دولة، ولذلك لا بد من أن تناط بمؤسسات هذه الدولة إدارة كل المناطق المحررة». صرخة لا تلقى إجابة لدى الرياض وأبو ظبي، اللتين تواصل كل منهما توسعة رقعة نفوذها في المحافظات الجنوبية والشرقية، في ممارسات تجلّت آخر مظاهرها في إخضاع معبر صرفيت على الحدود العمانية للسيطرة السعودية المباشرة بعدما تم طرد العناصر الشرطية والجمركية والأمنية التابعة لـ«الشرعية» من المعبر. وفي هذا يشير الميسري محتجّاً إلى أن «اتفاقنا مع التحالف العربي هو الزحف على الحوثيين باتجاه الشمال، وليس الزحف باتجاه الشرق».