تنتقل «أنصار الله»، في الربع الأول من العام الخامس للحرب على اليمن، من التموضع الدفاعي البحت إلى التموضع الدفاعي الهجومي، بالترافق مع تحقيق إنجازات ميدانية في محافظتَي البيضاء والضالع، التي أضحى معظمها بيد «أنصار الله»، فيما مركزها بات بحكم الساقط عسكرياً. تطورات متسارعة من شأنها زيادة وضع دول العدوان الميداني هشاشة، من دون أن يبرز إلى الآن ما يشير إلى إمكانية تأثيرها على الجانب السياسي، أقلّه راهناً. إذ تُظهر تلك الدول لامبالاة واضحة إزاء التطورات الأخيرة، ولا تبدي نوعاً من التفاعل حيالها؛ ذلك أنها أصبحت تراهن على استمرار الحرب كغاية بذاته، على أمل تحقيق الحدّ الأدنى من أهدافها. إلا أن ما حصل في الأسابيع القليلة الماضية اقترن، دونما شك، بإيلام للقوى الملتحقة بدول «التحالف»، وهو ما تجلى في التخبّط، وفقدان خريطة الطريق، فضلاً عن السقوط الكبير لمنظومة الدعاية والتوجيه المعنوي. بناءً على ما تقدم، تُعزى برودة كلّ من الرياض وأبو ظبي إلى أنه لا يمكنهما الجمع بين نتيجتين: الفشل الميداني والتراجع السياسي، ولا سيما أنهما تشاركان في الحرب الاقتصادية الأميركية على محور المقاومة، التي تشهد في هذه الأيام تصعيداً غير مسبوق.

ومن المفيد التذكير، هنا، بأن «التحالف» سبق أن تراجع عن الأهداف الأولى للحرب، التي كانت تدور حول اجتثاث «أنصار الله»، واقتلاع إمكانية تهديدها للمصالح الأميركية، وتبعاً لها السعودية، سواء في البرّ اليمني أو الممرات المائية (البحر الأحمر وخليج عدن وبحر العرب). لكن، بعد فشل تحقيق ذلك، تواضَع هدف العدوان إلى احتواء «تهديد أنصار الله» عبر إبعادها عن الشواطئ والحدود، وحصرها في ما يُسمى «الهضبة» (شمال الشمال)، الأمر الذي أخفق «التحالف» في بلوغه أيضاً. وإزاء انتقال «أنصار الله» أخيراً إلى التموضع الهجومي، فإن ما يمكن توقعه للمستقبل القريب مزيد من القضم الميداني التدريجي لمكاسب كان العدوان قد استحصل عليها سابقاً (المحافظات الجنوبية)، ويعوّل عليها في تحقيق الحد الأدنى من الإنجازات إن توقفت الحرب أو استمرت على وضعها الراهن.

لقد أدركت دول العدوان، وإن متأخرة، عمق غرقها في المستنقع اليمني


لقد أدركت دول العدوان، وإن متأخرة، عمق غرقها في المستنقع اليمني، وهي تعمل في عدة اتجاهات لاستنقاذ ما يمكن إنقاذه من الأهداف التي بدأت الحرب على أساسها؛ علماً أن طول أمد العدوان أدى إلى نشوء أجندات ومطامع خاصة بكل دولة على حدة. ولا تخفي دول «التحالف» نيتها تحقيق تلك المطامع، حتى لو أدى ذلك إلى خروج التنافس الصامت بينها إلى العلن. في هذا الإطار، يمكن فهم ما قامت به كلّ من الرياض وأبو ظبي في الأشهر الأخيرة من أجل تكريس احتلالهما، بشكل فجّ ومنافٍ لأبسط قواعد الاتفاقيات الدولية الخاصة بوصاية الدول المعتدية على أراضي الدول الأخرى، وحتى من دون موافقة ما تسمى «شرعية» عبد ربه منصور هادي، ولو من باب إعلامها بالإجراءات المتخذة، التي يمكن إجمالها بالآتي:
- الإصرار السعودي على مدّ أنابيب النفط عبر أراضي محافظة المهرة إلى بحر العرب، على رغم معارضة أبناء المحافظة الشديدة لذلك. ولهذه الغاية، أرسلت الرياض الأسبوع الماضي حشوداً كبيرة لتعزيز تموضعها العسكري هناك، فضلاً عن وأد الاحتجاجات الشعبية المناوئة لها.
- تحكّم السعودية بالرئاسات الدستورية الثلاث في اليمن: رئاسة الجمهورية، رئاسة مجلس الوزراء، وأخيراً رئاسة المجلس النيابي، ورفضها مشاركة أي طرف لها في ذلك، حتى حليفتها الرئيسة، الإمارات، التي تعمل في المقابل على تقويض تلك الرئاسات في مناطق نفوذها.
- استعجال أبو ظبي إنهاء «يمنية» جزيرة سقطرى، وتكريس الأمر الواقع الإماراتي فيها من خلال عمليات تجنيس السقطريين، فضلاً عن إيجاد عمل للشباب في الإمارات، وتجنيد آخرين في الفصائل التابعة لها، والقيام بعدد من المشاريع الإنمائية ومشاريع البنى التحتية.
أما في ما يتعلق بالأهداف المشتركة، فقد لوحظت في الآونة الأخيرة اندفاعة دبلوماسية كبيرة من الدول الإقليمية والغربية تجاه عدن. وفي هذا السياق، كشف وزير الخارجية في حكومة هادي، خالد اليماني، اعتزام وزراء خارجية اللجنة الرباعية المعنية باليمن (واشنطن ولندن والرياض وأبو ظبي) الاجتماع نهاية شهر رمضان في مدينة عدن، «دعماً للشرعية التي تبذل جهوداً كبيرة للحضور على الأرض، وتلمّس احتياجات المواطنين، ودفع المرتبات، وتسيير الخدمات» على حدّ تعبيره. والجدير ذكره أن اللجنة الرباعية تجتمع شهرياً على مستوى وزراء الخارجية أو على مستوى السفراء، ومع أن حكومة هادي ليست عضواً فيها، إلا أنها تلتزم تطبيق قراراتها تحت إشراف السفير السعودي في اليمن محمد آل جابر.