بعد شهر واحد من عبوره مجلس الشيوخ الأميركي بنجاح، حصد مشروع قانون إنهاء الدعم الأميركي لـ«التحالف» الذي تقوده السعودية في اليمن، أمس، موافقة أغلبية أعضاء مجلس النواب. ومع أن المشروع لن يفلح في تجاوز «فيتو» الرئيس دونالد ترامب، إلا أن الضغوط على البيت الأبيض، في ما يتصل بملف الحرب على اليمن، وصلت على ما يبدو إلى مستويات غير مسبوقة، الى حدّ أن مقترح إيقاف الدعم نال أصوات قرابة ثلثي النواب، الذي يحظى «الديمقراطيون» فيه بالأغلبية. وبحصوله أمس على تأييد 274 مشرّعاً مقابل رفض 175، يفترض أن يتم إرسال المشروع إلى البيت الأبيض، الذي استبق تصويت مجلس الشيوخ الشهر الماضي بالقول إن «ترامب سيرفضه»، إذ إنه يعتبره مساساً بصلاحياته في تقرير سياسة واشنطن الخارجية، مندداً بهذا النص المليء بـ«العيوب»، ومحذّراً من أنه «سيضرّ بعلاقات واشنطن بحلفائها في المنطقة، وفي مقدّمهم السعودية».

وفي حال استخدام ترامب «حق النقض»، فستكون هذه هي المرة الثانية التي يلجأ فيها إلى هذا «الحق» بوجه المشرعين، الذين يتطلب تغلّبهم على الـ«فيتو» موافقة ثلثيهم في كلّ من مجلس الشيوخ ومجلس النواب على مشروع ما، الأمر الذي لن يحصل في حالة اليمن؛ إذ حصل مشروع إنهاء الدعم في «الشيوخ» على تأييد 54 صوتاً فقط مقابل رفض 46. مع ذلك، شدد رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب، إليوت أنغل، على أنه «سيتعيّن على الرئيس مواجهة حقيقة أن الكونغرس لم يعد يتجاهل التزاماته الدستورية في ما يتعلق بالسياسة الخارجية»، فيما أشار معدّ اقتراح القانون، السيناتور المرشّح للانتخابات التمهيدية عن الحزب الديموقراطي بيرني ساندرز، إلى «(أننا) اتخذنا اليوم موقفاً واضحاً ضدّ الحرب والمجاعة ولمنح الكونغرس سلطات الحرب، وذلك من خلال تصويتنا على إنهاء اشتراكنا في الحرب في اليمن».

حرب بريطانيا الخفية
وتأتي خطوة «النواب» الأميركي في وقت يتواصل فيه الجدل في بريطانيا على خلفية تقارير إعلامية تظهر الدور الفاضح للمملكة المتحدة في حرب اليمن. وآخر هذه التقارير هو ما بثّته «القناة الرابعة» البريطانية، ضمن برنامجها الشهير «ديسباتشز» (Dispatches)، تحت عنوان «حرب بريطانيا الخفية». تحقيق خلصت من خلاله القناة إلى تقدير مفاده أن دور المملكة المتحدة في هذه الحرب قد يصل إلى حدّ القيام بتشغيل غالبية الأدوات المعتمدة فيها، من تقنيات وصيانة طائرات وتدريب على استخدام برامج معينة. وفي تعليقه على ذلك، رأى الناطق باسم حركة «أنصار الله»، رئيس وفدها التفاوضي، محمد عبد السلام، أمس، أن «تحقيق القناة البريطانية الرابعة عن الدعم والإسناد الفني واللوجستي والمشاركة العسكرية المباشرة يكشف هوية المعتدي الحقيقي ودوافعه وأهدافه»، معتبراً أن «الملامح الحقيقية لطبيعة العدوان الأميركي ــــ البريطاني ــــ الصهيوني تنكشف يوماً بعد آخر»، وأن «البقية أدوات وظيفية تشتغل لتنفيذ أهداف ومصالح دول الاستكبار».

«أنصار الله»: تحقيق «القناة الرابعة» البريطانية يكشف هوية المعتدي


وكانت القناة المذكورة قد تحدثت، في تحقيقها الاستقصائي المشار إليه، عن وجود فنيين بريطانيين يعملون في مجال الدفاع في قواعد جوية في السعودية، بهدف إبقاء المقاتلات السعودية في الخدمة. ونقلت عن أحدهم (ترك عمله قبل أشهر) قوله إن طائرات «تايفون» المقاتلة، التابعة للقوات الجوية السعودية، لن تكون قادرة على الطيران من دون هذا الدعم. وفي السياق نفسه، أشارت القناة إلى أنها أجرت مقابلات مع ثلاثة فنيين يعملون في شركة «بي أي إي سيستمز»، المتخصّصة في مجالات التصنيع والطيران والتكنولوجيا الدفاعية، والتي يعمل 6300 موظف تابعين لها في السعودية. وفيما تحدّث عدد من هؤلاء عن العمل الذي كانوا يقومون به لمصلحة القوات الجوية السعودية، فقد كشفوا عن مدى اعتماد السعوديين على العمّال البريطانيين لتمكينهم من شنّ حربهم.
أحد الفنيين، الذي عمل على مقاتلات «تايفون أوروفايتر»، قرّر التحدث، على رغم تحذير الشركة العاملين فيها من التحدّث إلى برنامج «ديسباتشز». وفق هذا العامل، فإن القوات الجوية السعودية لن تكون قادرة على تشغيل طائرات «تايفون» للقيام بمهمات القصف على اليمن، من دون المساعدة البريطانية، بل إن «البريطانيين يقومون بكل شيء من البداية إلى النهاية». وأضاف الفنّي إنه «كان من المفترض أن ندرّب السعوديين، ولكن في معظم الوقت لم يكونوا هناك للتدرّب. يجب علينا أن نقوم بكل أعمالهم، نحن نقوم بـ 95% من العمل». وفي حين أشار إلى أن «البريطانيين لا يلمسون القنابل»، فقد استدرك بالقول إن «هذا الأمر عبارة عن الـ 5% الباقية». وعندما سئل عمّا إذا كان يمكن متابعة الحرب من دون الدعم البريطاني، أجاب بالقول: «كلا 100%»، مضيفاً إنه «بوجود عدد الطائرات التي يملكونها والمطالب التشغيلية، فلن تكون هناك طائرة في السماء، إذا لم نصل إلى هناك خلال 7 إلى 14 يوماً».
في مقابل ذلك، تصرّ «أنظمة بي آي إي» على أنها ليست مسؤولة عن الحرب على اليمن، لأن «موظفيها لا يقومون بتحميل القنابل»، في نفاق صريح ومحاولة تعمية غير خفية. وخلال الاجتماع السنوي العام للشركة، سُجّل لمديرها حديث يجيب فيه عن أسئلة في شأن دور الشركة في هذه الحرب، حيث قال «إننا لسنا جزءاً من تخطيط الحرب وتنفيذها»، مضيفاً: «نحن شركة دفاع. لسنا شركة هجوم. لا نشن حروباً». كذلك، أخبرت الشركة، برنامج «ديسباتشز»، أن دورها «محصور بتأمين المعدّات والدعم والتدريب بناءً على الاتفاقات بين المملكة المتحدة والسعودية». وقالت: «يخضع هذا الأمر لأنظمة التصدير الدفاعية الصارمة في المملكة المتحدة، ولا يشمل نشاطاً عسكرياً».
وبموجب قواعد الترخيص الصارمة، لا يمكن للحكومة البريطانية السماح ببيع الأسلحة للخارج، في حال وجود خطر من استخدامها في انتهاك جدي للقانون الإنساني الدولي، مثل الحوادث التي تشهد استهدافاً متهوّراً أو متعمّداً للمدنيين، وهو ما تصرّ الحكومة على أنه لا يحصل في اليمن، لأن «الجنود البريطانيين الموجودين في مركز العمليات الجوية السعودية يدرّبون وينصحون في كيفية القيام بعمليات الاستهداف، وعدم انتهاك القانون الدولي». ولكن بالنسبة إلى «القناة الرابعة»، فإن «هؤلاء الضباط يساعدون الحكومة على تبرير ترخيص بيع أسلحة بقيمة 4.7 مليارات جنيه استرليني للسعودية، منذ بدء الصراع في اليمن في عام 2015». وعن هذا التفصيل بالذات، كشفت القناة أن «الجنود البريطانيين يتمركزون في مكان بعيد عن مركز العمليات، ما يعني أنهم غير موجودين في الغرفة التي تُتخذ فيها قرارات القصف الأساسية». وفي هذا الإطار، تنقل القناة عن لاري لويس ــــ أحد المستشارين السابقين في وزارة الخارجية الأميركية، والذي كان قد أمضى حوالى عام في مركز العمليات في الرياض ــــ قوله إنه «اطّلع على معلومات سرية تشير إلى أن معظم الضربات لا تنطلق من مركز العمليات، ما يعني أنها لم تكن خاضعة للتدقيق وتقييم الأضرار». ويضيف لويس إن هذه «الضربات الديناميكية» تُستدعى من قبل ميليشيات على الأرض في اليمن، تتواصل مباشرة مع الطيار. «إنهم ليسوا جنوداً سعوديين، إنهم ميليشيا من الشعب، لذا هم غير مدرّبين»، يخلص المستشار الأميركي.
هذا الأمر أكّده وزير الدفاع الأميركي السابق، ليون بانيتا، بطريقة أخرى، مشيراً إلى أن السعوديين يعملون وفق غريزتهم، ولا يخضعون للنصائح. وقال للقناة: «عندما تحاول أن تردعهم (السعوديين) وتقول لهم إنه يجب أن يأخذوا حيطتهم، فإن غريزتهم تحكم بأن يتصرّفوا بسرعة، وبعدها يسألون السؤال». بالنسبة إلى بانيتا، «لا يمكنك أن تملك أيادي نظيفة عندما لا تقوم فقط بتأمين الأسلحة، ولكن أيضاً الأشخاص الذين يساعدون السعوديين على الاستهداف...». وبناءً عليه، يخلص إلى أن ذلك يعني «أنك متورّط وتتحمّل بعضاً من المسؤولية عن التبعات».