لا تزال التصريحات التي أدلى بها وزير الخارجية البريطاني، جيريمي هانت، من مدينة عدن جنوب اليمن، والتي حمّل فيها ـــ بطريقة غير مباشرة ـــ «أنصار الله» المسؤولية عن تأخر تنفيذ اتفاق الحديدة، تتفاعل على المستويين السياسي والشعبي. ويوم أمس، شهدت مدينة الحديدة مسيرة حاشدة استنكاراً لتلك التصريحات، وتأكيداً على «حق الشعب اليمني في الدفاع عن أراضيه وسيادته، والتصدّي لكل الأطماع في بلاده». ودان القائم بأعمال محافظ المحافظة، محمد عياش قحيم، في كلمة بالمناسبة، «استمرار بريطانيا في دعم العدوان ومرتزقته بالسلاح والعتاد الحربي، على رغم ارتكابهم الجرائم البشعة بحق اليمنيين».

في المقابل، رفضت حكومة الرئيس المنتهية ولايته، عبد ربه منصور هادي، حديث هانت «عن سلطة محايدة» يفترض أن تتسلّم ميناء الحديدة، واصفة إياه بأنه «تفسير غريب يبتعد كلياً عن مفهوم الاتفاق». ويستبطن تصريح الوزير البريطاني في هذا الإطار، من وجهة نظر حكومة هادي، دحضاً لمطالبها بسيطرة قواتها على المرافق الحيوية في المدينة بعد انسحاب «أنصار الله» منها. وهو ما لا تقبله الحركة البتة، مشددة على أن من سيتسلّم تلك المرافق السلطة المحلية نفسها القائمة الآن. لكن «أنصار الله» لم تغلق الباب على إمكانية الاتفاق لاحقاً على هوية القوات التي ستنتشر مستقبلاً في الحديدة، بحسب ما كرّر أول من أمس الناطق باسم الحركة، رئيس وفدها التفاوضي محمد عبد السلام، الذي أكد «(أننا) لا نمانع أن نذهب إلى نقاش أي تفصيل أو تفسير للاتفاق إذا لزم الأمر»، منبهاً في الوقت نفسه إلى أن «اتفاق استوكهولم لم يشر بأي شكل من الأشكال إلى وجود جهات محايدة، لا في ميناء الحديدة، ولا في غيرها»، في إشارة إلى أن «أنصار الله» لم تمانع تقديم تنازلات غير ملزَمة بها بموجب الاتفاق، ومع ذلك يأتي وزير خارجية المملكة المتحدة ليختزل مسار المناقشات ويحوّره بقوله إنه «كان من المفترض إخلاء ميناء الحديدة، وإخضاعه لسلطة محايدة بحلول بداية كانون الثاني/ يناير».

شهدت الحديدة مسيرة منددة بتصريحات جيريمي هانت


وكانت مصادر مطلعة كشفت، لـ«الأخبار»، مع الإعلان عن الاتفاق على المرحلة الأولى من إعادة الانتشار (17 شباط/ فبراير)، التوصل إلى اتفاق مبدئي على «نشر قوات يمنية محايدة لم يسبق لها أن شاركت في المواجهات الدائرة منذ ما يزيد على أربع سنوات»، وذلك بعد أن تكون بنود تفاهم استوكهولم قد نُفّذت جميعها، سواءً على مستوى الانسحاب أو فتح الممرات الإنسانية أو رفع القيود المفروضة على موانئ الحديدة. وأوضحت المصادر، في حينها، أن رئيس «لجنة تنسيق إعادة الانتشار»، الجنرال مايكل لوليسغارد، «اقترح في البداية نشر قوات دولية في مناطق آمنة»، لكن «أنصار الله» «رفضت هذا المقترح لاعتبارات مرتبطة بالسيادة الوطنية»، فتمّ التفاهم على الخيار البديل المشار إليه، والذي نبّهت المصادر نفسها إلى أن بلورة صيغته النهائية ومن ثم تنفيذه كانا سيستغرقان وقتاً. لكن وزير الخارجية البريطاني استعجل، على ما يبدو، إشهار هذه الورقة، واستخدامها سلاحاً بوجه «أنصار الله»، في محاولة لتصعيد الضغوط على الحركة. ولعلّ هذا هو ما يفسّر حدة موقف عبد السلام في تعليقه على تصريحات جيريمي هانت.