أدلى وزير خارجية الولايات المتحدة، مايك بومبيو، بشهادة مكتوبة أمام الكونغرس حول الحرب في اليمن. في شهادته، قال الرجل إن واشنطن تعتبر إنهاء الحرب في هذا البلد من أولويات الأمن القومي، مشيراً إلى أن إدارة الرئيس دونالد ترامب ستستمر في العمل مع التحالف السعودي لإنهاء الحرب، وإدخال المساعدات الإنسانية. لا تعني شهادة بومبيو أن إنهاء الحرب سيكون على حساب واشنطن وحليفيها (الرياض وأبو ظبي). فالسعي الأميركي والجهود التي تبذلها إدارة ترامب كانت وستبقى إلى جانب وكيلَيها المعتمدَين في المنطقة (السعودية والإمارات)، وبمعانٍ وأشكال كثيرة على الصعد كافة، السياسية والدولية والعسكرية والأمنية.

شهادة بومبيو تشير إلى نوع من الإحراج جرّاء تلوث صورة الولايات المتحدة بسقوط أعداد كبيرة من المدنيين الأبرياء ضحايا لعمليات القتل الجماعي بالأسلحة والقذائف الأميركية، الأمر الذي يدفع وزير الخارجية، وأيضاً المسؤولين في الإدارة الأميركية، إلى تليين الخطاب في الشكل، وتحديداً في ما يتعلق بإنهاء الحرب كلامياً. فيما الواقع والميدان والعمليات العسكرية للقوات الأميركية، وفق المهمة الملقاة على عاتقها (مفيد التذكير أنه بحسب الاعتراف الأميركي تشارك واشنطن بالدعم الاستخباراتي واللوجستي، وتزويد الطائرات بالوقود جواً، وفرق خاصة لتحديد الأهداف على الحدود اليمنية)، تسير جنباً إلى جنب قوات «التحالف»، وهي مستمرة من دون أي تغيير.

في كثير من الجوانب يتخذ الحضور الأميركي في الحرب طابعاً مباشراً


من ناحية واشنطن، تنتهي الحرب بانتصار «التحالف» عسكرياً، وهذا يُعدّ من أولويات الأمن القومي الأميركي. لكن ما بين تشخيص المصلحة وتحقيقها فعلياً فروق قد تتّسع وتضيق بحسب الظرف، والقدرة الفعلية، والتبعات، ورد فعل الطرف الآخر (اليمن)، وربما حلفائه. وهو ميزان دقيق وحسّاس جداً يتحرك ما بين مطلب تحقيق المصلحة الأميركية، ومطلب عدم الدخول في قتال وحروب جديدة، وفق الاستراتيجية التي أُجبرت واشنطن على اتباعها، والقاضية بعدم الدخول المباشر في الحروب بناءً على تجربتها في السنوات الماضية، وبعد ثبوت أن التدخل العسكري المباشر يستطيع أن يحقق الانتصار العسكري، لكنه لا يعني أبداً تحقيق المصالح السياسية والاستراتيجية. بل ما حصل فعلياً إدخال أميركا في مشاكل ومعضلات سياسة وأمنية وعسكرية، وأيضاً اقتصادية، أسوأ بكثير من واقع ما قبل مباشرة هذه الحروب.
على ذلك، بات يمكن تفسير كيف أن الولايات المتحدة الأميركية تقاتل إلى جانب العدوان في شكل غير مباشر، وإن كانت في كثير من الجوانب لها حضور مباشر في الحرب. فقط القوات البرية لم يلحظ لها مشاركة، أما بقية القوى فتشارك في شكل مباشر.
إذاً، تعمل واشنطن على انتصار حلفائها في العدوان على اليمن، ولكن من دون أن تتورط مباشرة وفي شكل كامل. وإن لم يتحقّق النصر، فلا بأس في المراوحة طالما أن واشنطن بعيدة إلى حدّ كبير من التبعات، وتحمّل المسؤولية القانونية والأخلاقية والسياسية. وتعتمد مراوحة واشنطن في الأساس على إشغال أعدائها في اليمن (أنصار الله) في التموضع الدفاعي، وحصر انتشارهم في حدود عمقهم الجغرافي والديمغرافي، وإبعادهم عن المواقع الحيوية والحساسة في البلد، وهذا يحقق جزءاً معتبراً من المصالح الأميركية، وإن كان الانتصار على اليمن يحقق كامل مصالح واشنطن.
أما مزاعم الحرص على الوضع الإنساني، فيُراد منها في شكل أساسي إبعاد واشنطن من المسؤولية المباشرة، وفي الوقت ذاته إيجاد مبررات للعدوان بادعاء بومبيو أن حكومتي السعودية والإمارات تتخذان خطوات ملموسة للحدّ من خطر الإضرار بالمدنيين والبنية التحتية جراء عملياتهما العسكرية في اليمن، علماً أن الإدارة الأميركية الحالية لا تهتم كثيراً بتبعات مثل هذه الأمور. لكن حجم المأساة، والتجاوزات المتفلتة للعدوان، كبيرة إلى الحد الذي يحرج حتى هذه الإدارة. في مضمون شهادة بومبيو أمام الكونغرس، يُفهم في العمق أن العدوان على اليمن لا يوشك على نهايته، بل يمكن قراءة أن الحرب لا تزال طويلة، وعملياً توفّر واشنطن إمكان أن يتمدّد العدوان زمنياً لفترة غير منتظرة.