الدوحة | أن تكون حاضراً في بلد يستضيف بطولة كأس العالم هو امتياز يتمنى كثيرون أن يحصلوا عليه. ولكن هناك أشخاص يعملون لإنجاح الحدث العالمي لكنهم لا يشاهدون مبارياته. هم حاضرون في الملاعب أو خارجها، ومحرومون من رؤية لاعبيهم المميزين. يساعدون الجماهير من أجل الوصول إلى الملاعب، لكنهم لا يجلسون معهم. يسمعون هدير المدرجات من هتافات المشجعين، لكنهم لا يهتفون معهم. يشاهدون احتفالاتهم بالأهداف لكنهم لا يشاهدونها. طبيعة عملهم تفرض عليهم أن يكونوا في قلب الحدث لكنهم لا يشاهدون أهم ما فيه: المباريات.

كم من مرة تساءلت عن شعور أشخاص قريبين جداً من المباريات ولا يشاهدونها؟ كم من مرة فكرت في هذا الشخص الموجود على أرض الملعب ومهمته مراقبة الجماهير؟ يقف وظهره إلى الملعب وعينه إلى المدرجات طوال الوقت. لا شك أنه موقف غير مريح لشخص يحب كرة القدم.
هو واقع صعب، وموقف ليس محصوراً بمن هو على أرض الملعب فقط بل ينسحب على المئات من الأشخاص الموجودين على مقربة من المباريات ولا يشاهدونها. من العامل الموجود في كافيتيريا المدرجات، إلى الشخص المسؤول عن بوابة الدخول وغيرهم... وصولاً إلى محطات المترو والحافلات وسيارات التاكسي.
هذه هي حال الشاب منسا. ابن الخامسة والعشرين سنة الآتي من الهند لفترة ثلاثة أشهر للعمل كمتعاقد في تنظيم بطولة كأس العالم يعشق كرة القدم وتحديداً فريق تشلسي ومنتخب إنكلترا. يعمل ضمن فريق التنظيم التابع للبطولة ومهمته إرشاد الجماهير في محطة مترو «البدع»، وهي إحدى المحطات التي يستبدل فيها الجماهير خطوط المترو للوصول إلى الملاعب.
تسأله «الأخبار» إذا ما كان يحب كرة القدم فيجيب سريعاً: «أعشقها وأحب فريق تشلسي ومنتخب إنكلترا وسعيد بأنه تأهّل إلى الدور الثاني».

يتمنّى كثيرون من عمال المطاعم والمقاهي أن يشاهدوا المباريات من على المدرّجات


وحين نسأله هل تشاهد المباريات؟ يجيب: «بكل أسف لا. قليلاً ما أستطيع مشاهدة جزء من مباراة على التلفزيون بحسب مقتضيات عملي. أتمنى لو أستطيع مشاهدة مباراة من داخل الملعب لكن بطاقة الدخول غالية ولا أستطيع تحمّل كلفتها»، يجيب منسا وملامح الأسف ظاهرة على وجهه.
أمرٌ طبيعي أن يكون سعر البطاقة غالياً لشخص يعمل في وظيفة مشابهة لوظيفة منسا. فراتبه يتراوح بين 4500 ريال قطري في الشهر (ما بين 1100 و1400 دولار تقريباً). بعض الشركات تؤمن سكناً لعمالها وبعضهم لا يؤمن، لكن في النهاية الراتب لا يسمح بشراء بطاقة للمباراة.
لا تختلف حال منسا عن حال مواطنه فرزان. صحيح أن مكان عمله مختلف وهو موجود أمام البوابة الرئيسية لدخول الإعلاميين، وأقرب إلى الحدث، لكنه أيضاً لا يشاهد المباريات. هو من المقيمين في قطر ويعمل حالياً مع شركة تؤمن العمال للأحداث التي تنظمها قطر. أيضاً يحب كرة القدم ويتمنى لو يستطيع أن يشاهد المباريات. ويقول: «هذا صعب. لا يحق لنا مغادرة مكاننا طوال فترة المباراة وحتى لساعتين بعدها. أتابع النتائج على هاتفي حين أسمع صوت الجمهور في حال كان هناك هدف» يقول فرزان لـ«الأخبار».
تتشابه ظروف العمل وعدم القدرة على متابعة مباريات المونديال. فأيوب الشاب الجزائري الذي يعمل في مطعم في «سوق واقف» أيضاً يتحسّر لعدم متابعة منتخبه المفضل. يسهر على خدمة الزبائن ويسمعهم يتحدثون عن المباريات التي شاهدوها. «نعمل 12 ساعة في اليوم من دون عطلة في فترة المونديال. لا يوجد وقت لمشاهدة أي مباراة رغم أنني أحب كرة القدم كثيراً. أنا من الجزائر ونحن نعشق كرة القدم»، يقول أيوب مبتسماً في محادثة سريعة خلال قيامه بعمله.
لكن لا شك أن المدخول المادي يزيد خلال فترة المونديال، خصوصاً على صعيد الإكراميات.

(أ ف ب )

«طبعاً، وإلا كنت غادرت إلى بلدي. في قانون العمل في قطر حين تعمل لفترة 12 ساعة يتضاعف أجرك، أي تحصل على زيادة في الراتب 100%. لكن بالنسبة للإكراميات فلا تتوقع الكثير. السياح لا يدفعون إكراميات بشكل سخي، لكن الحمد لله الأمور جيدة على الصعيد المادي لكن العمل مرهق جداً. فنحن هنا في سوق واقف لا نهدأ ونعتذر من أشخاص لعدم وجود أماكن شاغرة في معظم الفترات»، يضيف الشاب الجزائري في حديثه مع «الأخبار».
الحسرة بسبب العجز عن الحضور على المدرجات تنسحب أيضاً على إلياس. رجل في الأربعينيات من إثيوبيا، وصل إلى الدوحة عام 2019 وكان يعمل في شركة، قبل أن ينتقل للعمل كسائق تاكسي «أوبر» منذ سبعة أشهر. نتجاذب معه أطراف الحديث، فيخبرنا بأنه يحب كرة القدم لكنه يتابع المباريات من على هاتفه. و«حين يأتي طلب أقفل الهاتف لحين أنتهي من إيصال الراكب. اليوم مثلاً لم أستطع أن أشاهد مباريات مجموعتي فرنسا والأرجنتين. ما هي النتائج؟»، يسأل إلياس وهو ينظر أمامه خلال القيادة.
نخبره بالنتائج وتأهل الأرجنتين وبولندا وأستراليا رغم فوز تونس على فرنسا. ومن ثم نسأله عن المردود المادي وما إذا كان قد تحسّن في فترة المونديال، وإذا ما كان سعيداً بإقامة المونديال في قطر، فيجيب: «بالطبع زاد مدخولنا بحدود الـ70%. حتى أن الشركة تمنحنا عشرين ريالاً إضافياً لدى إيصالنا أي راكب إلى ملعب ما. وبدل مادي إضافي في حال أخذنا طلباً من ملعب ما بعد المباراة. صحيح أن زحمة السير زادت قليلاً، لكن ليس بالقدر الذي كنا نتوقعه. صراحة أنا سعيد جداً بإقامة كأس العالم في قطر. ليس بسبب المردود المادي الإضافي بالنسبة لي، بل لكونها تجربة رائعة أن تعيش هذه الأجواء».
هي مجموعة من الصور لحالة بعض الأشخاص الذي يعملون في بطولة كأس العالم أو في مجالات مرتبطة فيها، لكنها كلها تصب في خانة واحدة. العمل في المونديال من دون مشاهدته. هو أمرٌ صعب لكن في كل حدث هناك أشخاص يضحّون من أجل نجاح هذا الحدث ويكونون بعيدين من الأضواء... فلهم التحيّة.