دماءٌ كثيرةٌ غطّت شوارع مدينة بيونغ يانغ عاصمة كوريا الشمالية. نحو خمسة ملايين شخصٍ قضوا نتيجة الحرب بين الكوريتين، الشمالية والجنوبية. هذه المدينة تحديداً، دُمّرت بالكامل بفعِل الأميركيين، الذين كانت لهم يد طولى في الطرف الجنوبي للإمبراطورية الكورية. العام الماضي فُتحت صفحةٌ بيضاء، جديدة، لإنهاء العداء الحدودي، ولفرض السلم بين البلدين، وغداً الثلاثاء تستقبل بيونغ يانغ شباباً، ربما، كان من الممكن أن يكونوا أبناءها. ملعب «كيم إل سونغ» يحتضن مباراة كروية تجمع المنتخبين الكوري الجنوبي والشمالي، لأول مرةٍ على أرض الأخير، منذ 30 عاماً، ضمن التصفيات المزدوجة المؤهّلة إلى كأس العالم «قطر 2022» وكأس آسيا «الصين 2023». اللقاء لن يتابعه سوى مواطني كوريا الشمالية، بسبب رفض السلطات توفير بثٍّ تلفزيوني فضائي، ولو لجارتها الجنوبية فقط. بعثة الضيوف ستغيب لأكثر من 90 دقيقة، ونتيجة المباراة وأحداثها لن يُعرفا إلا بعد نهايتها، كما هو الحال دائماً مع أيّ مباراةٍ تقام على الأراضي الكورية الشمالية.

جمعت الرياضة ما فرّقته الحروب والسياسة بين الكوريتين. مباراة الغد لن تكون الحدث الأوّل الذي يلتقي خلاله أهل البلدين، من غير السياسيين، إذ سبق أن شكّل لاعبو المنتخبين الكوري الشمالي والجنوبي في رياضة الهوكي على الجليد بعثةً واحدةً خلال الألعاب الأولمبية الشتوية في العام الماضي وساروا تحت راية علمٍ موحّد، خلفيته بيضاء وتتوسّطه خريطة الكوريتين باللون الأزرق، علماً أنها ليست المرة الأولى التي يُرفع فيها هذا العلم (بطولة العالم بالتنس 1991 وبطولة العالم للشباب بكرة القدم، العام عينه). ما يختلف هذه المرة، هو أن العلم الكوري الجنوبي سيرفع في العاصمة الشمالية، أو هذا ما من المفترض أن يحصل. في حال بقيت العلاقات جيّدةً بين الدولتين، قد تستضيفان بطولة كأس العالم للسيدات عام 2023، بعدما قدّمتا طلباً للاستضافة، إلى جانب دولٍ أخرى. لكن هذا التحابب، لا يعني أن تتخلّى السلطات الكورية الشمالية عن أنظمتها الصارمة، إذ رُفض دخول 14 صحافياً من كوريا الجنوبية لتغطية اللقاء المرتقب، كما لم يتم التجاوب مع طلب بث المباراة فضائياً، وبطبيعة الحال، الحضور في الملعب الذي يتسع لـ50 ألف مشجّع، سيقتصر على أهل البلد فقط، إلى جانب دبلوماسيين ومسؤولين من الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا».

هي المرة الأولى التي يلتقي فيها المنتخبان على الأراضي الشمالية منذ 30 عاماً


عموماً، يُتوقّع أن يحقق المنتخب الكوري الجنوبي الفوز في هذا اللقاء، بل يُرشّح أن يتأهّل عن المجموعة الثامنة، التي تضم أيضاً المنتخبَين اللبناني والتركماني، متصدّراً بالعلامة الكاملة إذا لم تحصل مفاجآت. مباراته الأولى كانت على أرض تركمانستان التي خسرت بهدفين من دون رد، قبل أن تسقط سريلانكا بثمانية أهدافٍ من دون رد. الفريق يقوده سون هيونغ مين، لاعب توتنهام الإنكليزي، وصيف دوري أبطال أوروبا في الموسم الماضي، وترافقه مجموعة من اللاعبين المحترفين ضمن الدوريات الكبرى في أوروبا، إلى جانب قلةٍ ممن يلعبون في الدوري المحلّي. في المقابل، يلعب خمسة لاعبين فقط من المنتخب الكوري الشمالي خارج بلادهم، أبرزهم هان كوانغ سونغ، الذي انتقل إلى يوفنتوس الإيطالي، لكنه لم يظهر مع الفريق الأوّل بعد، فيما تبرز أسماء ثلاثة لاعبين وصلوا مع فريقهم «25 أبريل» إلى نهائي كأس الاتحاد الآسيوي، الذي تحتضنه العاصمة الشهر المقبل، وسيكون العهد اللبناني الطرف الثاني فيه. لكن في المدينة الكورية الصامدة تتغيّر الحسابات. هناك لم يخسر منتخب أصحاب الضيافة منذ عام 2011، حين سقط أمام المنتخب الأوزبكي في تصفيات كأس العالم 2014. في ذلك الوقت تراجعت نتائج المنتخب الكوري الشمالي، بعد مشاركته الأخيرة في كأس العالم 2010 في جنوب أفريقيا، في حين حافظ الجار الجنوبي على مكانته الآسيوية ضمن المنتخبات الثلاثة الأولى، ولم يغب عن المونديال.
اللقاء الذي كان من المفترض أن تتّجه إليه الأنظار، سيبقى بعيداً عن العيون، سريّ، كما الكثير مما يجري في كوريا الشمالية، بعيداً عن البروباغندا الأميركية، لكنه، من المفترض، أن يقرّب الكوريتين، اللتين طالما تحاربتا من أجل وحدة كوريا!