مع توالي السنوات، قلّ وهج المنتخب البرازيلي لكرة القدم، نظراً لسوء التخطيط في عمليّة الانتقال بين الأجيال. أظهر سوء الإدارة الفنية عجز البرازيل عن إبراز مواهب جديدة، بعد أن استدعى المدربون منذ بداية العقد الحالي العديد من اللاعبين الذين لا يشبهون البيئة البرازيلية. بالعودة إلى التاريخ، لعب مع منتخب الـ«سيليساو» العديد من الأسماء اللامعة، كما الحال في تشكيلتي 1982 و1986. شهدت تلك الفترة على وجود «عظماء» في المنتخب، على غرار سقراطس، كاريكا، زيكو، برانكو وغيرهم من الأساطير. لاعبون شكّلوا أحد أعظم أجيال البرازيل. اتصف هؤلاء بقدرتهم على صناعة المعجزات في كرة القدم، أجادوا الـ«سامبا» البرازيليّة واللعب الشامل الذي يحقق المتعة، دون الابتعاد عن النتائج الإيجابية ورفع الألقاب.

عام 1994 مثلاً، امتلك السيليساو تحت قيادة المدرب المحنك كارلوس ألبرتو بيريرا العديد من المواهب البارزة، على غرار بيبيتو، ليوناردو، روماريو، كافو، روبرتو كارلوس وفيولا دون إغفال وجود الظاهرة رونالدو على مقاعد البدلاء في عمرٍ لم يتجاوز حينها الـ17 عاماً. رونالدو نفسه ساهم بأهدافه الثمانية عام 2002 في كوريا الجنوبية واليابان، في تحقيق المونديال الأخير للبرازيل. بعد ذلك، بدأت المشاكل تظهر.
عام 2014، تنحّت البرازيل عن عرش الكرة العالمية، بعد أن سقطت على أرضها أمام غريمها الألماني في نصف نهائي المونديال بنتيجة (7-1). نتيجة جعلت الكرة البرازيلية تعود إلى أرض الواقع، فالمنتخب الذي كان يجلب الفخر للشعب، كان سبباً للخيبة. هذه الخيبة تكررت وازداد الإحراج، بعد الخسارة أمام هولندا بثلاثة أهداف نظيفة في مباراة تحديد المركز الثالث. رغم لعب سوء الاختيار دوراً بارزاً في سقوط البرازيل، كان لغياب لاعب مميّز في مركز رأس الحربة، الدور الأبرز في تراجع السيليساو.
مع اعتزال رونالدو دي ليما، افتقر المنتخب البرازيلي لمركز رأس الحربة الصريح، بعد أن تعاقب العديد من المهاجمين الذين أفقدوا القميص رقم 9 بريقه. أسماءٌ كفريد، جو، تارديلي وفابيانو (الذي كان أفضلهم)، أظهروا بالأرقام عجزهم عن حمل إرث الظاهرة. مع تيتي، تغيّر الوضع.
بأسماءٍ شابة ومواهب مميّزة، وصل المنتخب البرازيلي في مونديال روسيا 2018 إلى دور ربع النهائي حيث خرج على يد بلجيكا (ثالث البطولة)، في مباراةٍ شهدت سيطرة برازيلية طيلة فترات المباراة. تركز اختيار الرجل الخمسيني على مواهب المنتخب من الدوريات الأوروبية الكبرى، بعد أن كان قوام سكولاري ودونغا قبله، قائماً على لاعبي الدوري الصيني، ودوريات أخرى تحدّ من إمكانيات اللاعبين نظراً لعدم وجود توازن بين مواهبهم وقدراتهم الفنية، ومستوى الدوري الضعيف في الصين مقارنة بأوروبا.

يمتلك المنتخب البرازيلي خط وسط هو من الأهم في العالم اليوم


مع تدعيم المراكز كافة بلاعبين من الصف الأوّل، بقيد علامات الاستفهام تدور حول مركز رأس الحربة، رغم وجود وفرة من الأسماء التي تحظى بوزنٍ في الأوساط الكروية، على غرار غابرييل خيسوس مهاجم مانشستر سيتي، روبرتو فيرمينو مهاجم ليفربول، وريتشارلسون مهاجم إيفرتون. ثلاثة مهاجمين ينشطون في الدوري الإنكليزي، سيشغلون مركز رأس الحربة مع البرازيل، رغم عدم تمحور إمكانياتهم كافة حول هذا المركز، إذ يتميز اللاعبون الثلاثة بصناعة الأهداف واللعب خارج الصندوق أكثر من لعبهم كرؤوس حربة صريحين.
تجمع البرازيل مع تيتي بين الإمكانيات الهجومية الفذة والالتزام الدفاعي. رغم إعطاء الوفرة في المراكز كافة حلولاً جديدة للمنتخب، سيترتّب على تيتي ضرورة تحقيق المداورة الإيجابيّة بين اللاعبين، واحتوائهم للسيطرة على غرفة الملابس، في ظل وجود منافسة شديدة على كل مركز.
عندما غاب لاعب باريس سان جيرمان نيمار في مونديال البرازيل مثلاً، كان جناح إيفرتون الحالي بيرنار المعوض الأول له في مباراة نصف النهائي أمام ألمانيا. اليوم، لا يقل بدلاء نيمار عنه بشيء من ناحية الفاعلية، في ظل وجود كل من فيليبي أندرسون ودايفد نيريس. يبقى مصير فيليبي كوتينيو المعضلة الأساسية في خط الهجوم.
في المونديال الأخير، كان صانع الألعاب البرازيلي فيليبي كوتينيو أحد أبرز العناصر فاعليةً بين أوراق تيتي، إذ تمكّن بفعل أهدافه وتمريراته من حسم العديد من المباريات آنذاك. سيواجه تيتي اليوم صعوبةً في إشراك اللاعب في ظل مستواه المتراجع أخيراً مع برشلونة، تزامناً مع تألق العديد من اللاعبين الذين قد يحققون التوازن في المنظومة.
لأوّل مرة منذ سنوات، يشهد خط الوسط تنوعاً في الوظائف والإمكانيات، ما يجعل منه أحد أفضل خطوط الوسط في العالم. مع قدوم آرثر، أضاف لاعب برشلونة عنصراً كان يفتقده المنتخب في السنوات الأخيرة، الإبداع، إذ كسر ابن الـ22 عاماً النمطية المتوجودة في وسط الفريق، التي كان يسيطر عليها النسق الدفاعي.
في خط الدفاع ستشكل عودة داني ألفيس إلى المنتخب إضافة كبيرة تتمثل بدعم المنظومة الشابة بعنصر الخبرة. لم يعثر بعد على خليفة داني ألفيس، غير أنّ استدعاء أليكس تيليس لاعب بورتو البرتغالي إلى المنتخب، قد أعطى مؤشراً على خليفة مارسيلو وفيليبي لويس. التنافس في المراكز يشمل أيضاً حراسة المرمى، إذ يضم هذا المركز لاعبين من الطراز العالي، فهناك حارس مانشستر سيتي إيديرسون مورايس، وحارس ليفربول أليسون بيكير.
منتخب البرازيل بدأ يعود إلى مستواه، وهو الآن استعاد هيبته التي فقدها لسنوات. ولكن بالعودة قليلاً إلى الوراء، يتبيّن أنه كان بالإمكان أن يكسب أسماء إضافيّة. في فترة التراجع، استغلت بعض الدول المشاكل بين المنتخب وبعض اللاعبين المهمشين لمصلحتها، إذ بعيداً عن النتائج الكارثية للمنتخب أخيراً، وغيابه عن معانقة المونديال لـ17 عاماً، تمثلت الخسارة الأكبر للبرازيل بتجنيس العديد من مواهبها اللامعة، على غرار دييغو كوستا، اللاعب الذي مثل المنتخب الإسباني أخيراً. لاعبٌ كان يحتاج إليه المنتخب البرازيلي منذ عام 2014، في ظل أزمة رؤوس الحربة. جورجينيو وإيميرسون بالميري قرّرا تمثيل المنتخب الإيطالي، مثلوا ألواناً غير ألوان البرازيل، وذلك بسبب عدم لمسهم للاهتمام من الاتحاد البرازيلي. أخيراً، اتخذ الجهاز الفني للمنتخب احتياطات للحؤول دون خسارة المواهب الصاعدة، أمرٌ جعل السيليساو يحتفظ بلاعب نابولي آلان، وألكيس تيليس لاعب بورتو الذين كانوا قريبين من تمثيل المنتخب الإيطالي، ودايفيد نيريس لاعب أياكس أمستردام الذي كان قاب قوسين أو أدنى من تمثيل المنتخب الهولندي.