«الجميع يعتقدون أن لديهم خطّة حتى يتلقّوا أوّل لكمة على الوجه». يصحّ هذا القول، وهو للملاكم مايك تايسون وفقاً لِما ورد في مقال سوزان مالوني، نائبة مدير معهد «كارنيغي»، في العدد الأخير من «فورين أفيرز»، لتوصيف كيفية تعامل الأفراد والدول مع التطوّرات المفاجئة والصادمة. فكثيراً ما تفرض المستجدّات التي يحفل بها الواقع، بخاصة في مراحل الأزمات الكبرى، على جميع اللاعبين السياسيين المعنيّين بها مباشرة أو بشكل غير مباشر، تعديل، أو تغيير، أو حتى إلغاء العديد من الخطط والمشاريع المستقبلية، المستنِدة إلى أحدث وأدقّ المنهجيات العلمية للاستشراف. ونحن اليوم نعيش «لحظة تاريخية» بكلّ ما للكلمة من معنى، بفعل الحرب العالمية الدائرة على الساحة الأوكرانية، حتى الآن، ومفاعيلها الإقليمية والدولية. أحاط بهذا المفهوم، في ما مضى، قدْرٌ كبير من السخرية بسبب استخدامه المفرط عند تناول أحداث لا ترقى إلى المستوى التاريخي. غير أن تضافر حرب عالمية، من المحتمل أن تتمدّد خارج مسرحها الحالي، مع أزمة اقتصادية واجتماعية على النطاق الدولي، مرشّحة للتفاقم، وانحسار مطّرد لقدرة المراكز الغربية على السيطرة والتحكّم بالتوازي مع صعود دور اللاعبين غير الغربيين، هي جميعها سِمات لتسارع تحوّل في مجرى التاريخ يشار إليه بتعبير «اللحظة التاريخية».

لا يمكن تحليل المجريات المرتبطة بالملفّ النووي الإيراني، وبشكل أشمل، بالمواجهة الاستراتيجية الكبرى بين المحور الغربي - الإسرائيلي وإيران، خارج سياق هذه اللحظة التاريخية. فالاتفاق بذاته تمّ بين إيران من جهة، ومجموعة دول الـ5+1، ومنها روسيا والصين، من جهة أخرى. هاتان الدولتان، وبخاصة روسيا، ساهمتا بنشاط في تسهيل التوصّل إليه، لأن هذا الأمر كان سيتيح لهما لاحقاً تحقيق مكاسب اقتصادية وتجارية، وكذلك سياسية، غير أن واشنطن بدت المستفيد الرئيس منه، لأنه انسجم مع جدول الأولويات الاستراتيجية لإدارة باراك أوباما. التوتّر كان آخذاً بالتزايد بين المحور الغربي بقيادة الولايات المتحدة، والقوّتَين الدوليتين المذكورتين، لكنه لم يكن قد وصل إلى مرحلة المواجهة المفتوحة، كما هي الحال راهناً. المضحك في موقف واشنطن هو إدانتها لمواقف إيران والصين من هذه المواجهة، واتّهامها إيّاهما بالتواطؤ مع موسكو، بينما هي تعتمد حيالهما استراتيجية احتواء وحرب هجينة متعدّدة الميادين. بكلام آخر، هي تريد من الدولتَين أن تقفا على الحياد في معركتها، هي وحلفائها، مع روسيا، لتعود وتتفرّغ لهما في ما بعد. وبما أن هذه المعركة ستَدخل منعطفاً مصيرياً في نهاية الشتاء الحالي، في ظلّ استعداد طرفَي النزاع المباشرين، أي روسيا وأوكرانيا، كلّ من جهتها، لهجوم مضادّ يستهدف تعديل موازين القوى في الميدان، فإن دور القوى الداعمة بالسلاح النوعي والذخائر الذكية والموجّهة، والمسيّرات والصواريخ، أضحى حاسماً.

لا يمكن تحليل المجريات المرتبطة بالملفّ النووي الإيراني خارج سياق اللحظة التاريخية


لم تكن صدفة أن وجّه ويليام بيرنز، مدير وكالة الاستخبارات المركزية، و«الأكثر نضوجاً في الغرفة»، وفقاً للتعبير الأميركي الشهير للدلالة على العنصر الأكثر فعّالية في فريق معين، تحذيراً حادّاً إلى الصين من مغبّة إرسال أسلحة وذخائر إلى روسيا. الرجل نفسه هو مَن قال إن إيران لا تحتاج سوى إلى بضعة أسابيع لإنتاج قنبلة. صحيح أنه أضاف أن بلاده لا تعتقد بأن مرشد الجمهورية الإسلامية قد «قرّر استئناف برنامج التسلّح النووي الذي نُقدّر أنه عُلّق أو أوقف نهاية العام 2003»، لكنه أبدى قلقه إزاء «التطوّر الخطير» في التعاون العسكري بين طهران وموسكو. بنظر المسؤولين الأميركيين والغربيين، فإن دور إيران «المزعزع للاستقرار» تعدّى الشرق الأوسط، وبات اليوم يشمل أوروبا التي تدور على تخومها الحرب الأوكرانية. هذا ما يفسّر بالنسبة للكثيرين، كالباحثة داليا داسا كايي، في مقالها في «فورين أفيرز» بعنوان «حرب ظلّ إسرائيلية خطرة مع إيران»، موافقة واشنطن على توكيل إسرائيل بشنّ حملة عسكرية «منخفضة التوتر» تستهدف منشآت ومواقع عسكرية لإيران داخل حدودها وخارجها.
الضغط عسكرياً على إيران، إضافة إلى بقيّة الضغوط الأخرى، الاقتصادية والمالية والسياسية، يُفترض أنها سترغمها على التراجع عن بيعها لمسيّرات لروسيا، وعلى وقف تعاونها العسكري معها. لكن البعض يربط بين هذا الضغط، وما يشاع عن عودة الاتّصالات بين بعض الأطراف الوسيطة وإيران من أجل العودة إلى مسار فيينا التفاوضي بشأن برنامجها النووي. إذاً، ضغوطٌ من جهة، وتلويح بإمكانية التوصّل إلى اتفاق إذا جرى التجاوب مع تلك «العصا» من جهة أخرى. إلّا أن الحقيقة هي أن إدارة جو بايدن التي فوّتت مِثل هذه الفرصة عندما كانت الظروف مؤاتية لها، أضعف من أن تفعل ذلك اليوم، بضعةَ أشهر قبل بداية حملة الانتخابات الرئاسية في أيلول المقبل. هي لن تعادي اللوبي الإسرائيلي ولا صقور الحزب الديموقراطي، لاعتبارات انتخابية بديهية، إنّما جلّ ما ترمي إليه هو ربح الوقت، مراهِنةً على إمكانية إبعاد طهران عن موسكو، في انتظار نتائج الميدان في أوكرانيا. لكن ما تخطّط له قد تُعدّله «لكمات» غير متوقّعة.