لندن | لم تخيّب بريتي باتيل، وزيرة الداخلية البريطانية، توقّعات العارفين بتاريخ بلادها الممتدّ في مساوقة الإرادة الأميركية، عندما أَذِنت (يوم الجمعة 17 حزيران) بتسليم جوليان أسانج إلى السلطات الأميركية، بناءً على مذكّرة تطالب بتسليمه لمحاكمته في الولايات المتحدة. وكان ممثّلون قانونيون لواشنطن قد أعدّوا قائمة طويلة من التهم لأسانج، المحتجَز في بريطانيا منذ ثلاث سنوات تقريباً من دون مبرّرات قانونية، وذلك في إطار تشريعات أميركية ضدّ التجسس تمّ إقرارها بعدما نشر موقع «ويكيليكس» - الذي أسّسه أسانج - مئات آلاف الصفحات من وثائق رسمية سرّية كشفت الطرائق الإجرامية لعمل نُخبة واشنطن وحلفائها. وقد نظرت محاكم بريطانية في تلك المطالبة وفق تدرّج نظام التقاضي المعتمَد في المملكة، وخلصت، على رغم مخالفات ظاهرة لأحكام القانون البريطاني نفسه، إلى إزالة أيّ عوائق قانونيّة قد تحول دون الاستجابة لرغبات الجانب الأميركي. وفي حال إدانته، فإن الصحافي الأوسترالي المعروف، إن نجا من التصفية الجسديّة، سيقضي ما تبقّى له من عمر رهين قفص فيدرالي أمريكي سيّئ السمعة، إذ إن مجموع الأحكام التي تحملها التهم الموجّهة إليه تصل إلى 175 عاماً سجناً.


أعلن فريق الدفاع عن أسانج عزمه على مواصلة النضال القانوني (أ ف ب)

وتتعلّق الوثائق السرّية والبرقيات الدبلوماسية التي نشرتها «ويكيليكس»، بانتهاكات مروّعة ارتكبها الجيش الأميركي خلال حروبه في أفغانستان والعراق واليمن. كما أظهرت أن الأجهزة الأميركية تجسّست على ثلاثة رؤساء فرنسيين ومسؤولين يابانيين، واخترقت هاتف أنجيلا ميركل المستشارة الألمانية السابقة، وأخفت المعتقلين في سجن «غونتانامو» في الجزء المحتلّ من كوبا عن «الصليب الأحمر الدولي». وكشفت أيضاً عن دفعات سعودية سخيّة لـ»مؤسّسة كلينتون»، وعن الكذب بشأن وقوع ضحايا في تظاهرات ساحة تيانانمن، التي نظّمها طلاب صينيون في الرابع من حزيران عام 1989، وذلك لغرض شيطنة النظام الصيني. وتشكّل هذه الوثائق في مجموعها إدانة تاريخية غير مسبوقة لنُخبة واشنطن الحاكمة وطرائق عملها – وعمل حلفائها –، وتعرية تامّة لزيف ادّعاءات الحرص على نشر الديموقراطية والحريات وحقوق الإنسان. ويقبع أسانج أسيراً في سجن مشدّد الحراسة في بلمارش (شمال لندن)، مخصّص لعتاة المجرمين الجنائيين، ومن دون داع قانونيّ بعدما سُحبت تهم وُجّهت إليه بارتكاب اعتداءات جنسية في السويد تَبيّن لاحقاً أنها ملفّقة. وقد رفض القضاء البريطاني إطلاق سراحه بكفالة إلى حين النظر في مذكّرة التسليم الأميركية، على رغم أنه متزوّج بسيدة بريطانية وأب لولدَين بريطانيَّين لديهم عنوان معروف. وكانت الحكومة البريطانية قد اعتقلت أسانج في عام 2019، بعد طرده قسراً من مقرّ السفارة الإكوادورية في لندن، حيث كان يتمتّع بالحماية الدبلوماسية طوال سنوات من قِبل سلطات ذلك البلد ومُنح جنسيته، قبل سقوط الحكومة اليسارية هناك وتولّي حكومة جديدة موالية لواشنطن مقاليد السلطة. وفرّ أسانج بحياته إلى مقرّ السفارة بعد مطاردته من قِبل المخابرات الأميركية، واشتراك عدّة دول بما فيها السويد وإسبانيا وحتى بلاده أوستراليا في مؤامرة للقبض عليه.
ودان بيان نُشر على موقع «ويكيليكس» قرار الحكومة البريطانية، ووصفه بأنه «يوم أسود لحرية الصحافة وللديموقراطية البريطانية»، مضيفاً إنه «كان في قدرة الوزيرة باتيل أن تفعل الشيء الصحيح. وبدلاً من ذلك، سيتمّ تذكُّرها إلى الأبد كشريك للولايات المتحدة في أجندتها لتحويل الصحافة الاستقصائية إلى مشروع إجرامي يستحقّ العقاب». وقال جيريمي كوربن، الزعيم السابق للمعارضة البريطانية، من جهته، إن «الكلمات تعجز عن التعبير حول خطورة هذه السابقة التي أقدمت عليها وزيرة الداخلية بموافقتها على تسليم جوليان أسانج إلى الولايات المتحدة. نحن يعترينا الغضب، لكننا لم نُهزم ولن نستسلم حتى يتمّ إطلاق سراحه». كما وصف «الاتحاد الدولي للصحافيين»، في بيان، قرار باتيل بأنه «انتقامي وضربة حقيقية لحرية الإعلام». وكان المتحدث باسم وزارة الداخلية قد أعلن، في بيان رسمي، أنه «في هذه القضية، لم يجد القضاء البريطاني في تسليم السيّد أسانج للولايات المتحدة من القمع أو غياب العدالة أو إساءة استخدام الإجراءات أيّ شيء، أو أن ذلك يتعارض مع حقوقه الإنسانية، بما فيها حقه في محاكمة عادلة وفي حرية التعبير»، متابعاً أن «القضاء البريطاني مرتاح للضمانات بأن أسانج أثناء وجوده في الولايات المتحدة سيعامَل معاملة لائقة، بما في ذلك ما يتعلّق بصحته».
وسيكون أمام الفريق القانوني لأسانج 14 يوماً للطعن في القرار أمام المحكمة الملكيّة العليا، وهو إجراء يبدو شكلياً وعديم القيمة بالنظر إلى أن المحكمة نفسها كانت قد ألغت، أوائل العام الماضي، قرار محكمة ابتدائية منعت تسليم أسانج للأميركيين على أسس صحية تتعلّق بحالته النفسية وارتفاع خطر إقدامه على الانتحار، وقد قبلت المحكمة العليا وقتها تطمينات قدّمها المدّعون العامون الأميركيون حول الظروف التي سيُعتقل فيها أسانج حال تسلّمه. ولاحقاً، في كانون الثاني الماضي، رفضت استئنافاً لذلك القرار تَقدّم به أسانج، قبل أن يوافق بول غولدسبرينغ، كبير قضاة جلالة الملكة، على أمر التسليم في شباط الماضي، ويحيل أمر التنفيذ إلى وزيرة الداخلية للموافقة عليه والعمل بموجبه. ومع هذا، أعلن فريق الدفاع عن أسانج عزمه على مواصلة النضال القانوني وتقديم استئناف بصفة عاجلة إلى المحكمة العليا. وقالت ستيلا أسانج (زوجته وأمّ أولاده)، في مؤتمر صحافي، إنها لن تكلّ في محاولاتها لإنقاذ حياة زوجها. ويتعيّن على فريق الدفاع الآن البحث عن زوايا قانونية أخرى غير تلك التي تداولتها المحكمة سابقاً، إن كان للاستئناف أن يُقبل من حيث الشكل. ويعتقد خبراء قانون بأن التركيز سيكون غالباً على الطابع السياسي للتهم، وتعارضها مع القانون البريطاني الذي يمنع (نظريّاً) تسليم المطلوبين لأسباب سياسية. وفي حال موافقة المحكمة على النظر في الاستئناف، فقد يستغرق الأمر عدّة أشهر قبل إصدار قرار نهائي. وإذ تحدّثت صحف أوسترالية عن أن الحكومة العمّالية الجديدة هناك قد تحاول، من وراء الكواليس، استصدار عفو رئاسي أميركي عن أسانج، أو على الأقلّ استحصال قبول السلطات الأميركية على نقله إلى بلاده لتنفيذ العقوبة التي ستُوقع عليه في سجن أوسترالي، فإن هذا الحديث لا يزال في إطار الشائعات التي لا تُرافقها جهود فعلية إلى الآن.
لا يَخفى الدافع السياسي وراء مطالبة الولايات المتحدة بتسليمها أسانج


وفي الحقيقة، لا يَخفى الدافع السياسي وراء مطالبة الولايات المتحدة بتسليمها أسانج، والمستقبل المظلم الذي سينتهي إليه الرجل إذا ما تمّ تنفيذ ذلك. وتبدو حالة رفيقه، جوشوا شولت، الهاكر الأميركي - المتّهم بسرقة بيانات عن تجاوزات في المخابرات المركزية الأميركية وتمريرها إلى «ويكيليكس» في عام 2017 - أقرب ما تكون إلى صورة ما ستؤول إليه أموره حينئذ. ويقبع شولت، منذ 2018، أثناء انتظار إعادة محاكمته في سجن فيدرالي، تحت ظروف قهر غير إنسانية، حيث يُحتجز في معتقَل من دون نوافذ منذ أكثر من عامين، لم يعرض خلالهما على طبيب، ولا يُسمح لأحد بمساعدته، ويُمنع إطلاق سراحه بكفالة، ويقيَّد بالسلاسل إلى الأرض عند استجوابه، ولا يُسمح له حتى بشراء مواد من بقالة السجن. ويُفترض بشولت أن يواجه قائمة من التهم تحت بند تشريعات التجسّس ذاتها التي يتمّ استخدامها ضدّ أسانج، وذلك للمرّة الثانية بعد فشل محاولة سابقة لإدانته في المحكمة.