كما كان متوقَّعاً، حقّق مُعسكر الرئيس الفنزويلي، نيكولاس مادورو، فوزاً ساحقاً في الانتخابات المحلية والنيابية التي أجريت الأحد. وهو فوز لم يأتِ نتيجة صدفة أو «تزويرٍ»، بل تحقَّق وفق الشروط التي وضعها الغرب، وخصوصاً واشنطن، أي في ظلّ إشراف دولي فُرِض لمراقبة سيْر العملية الانتخابية. كما أنه فاق التوقّعات، بعدما تمكّن الحزب الاشتراكي الحاكم من السيطرة على 20 ولاية من أصل 23، كما حصل على رئاسة بلدية العاصمة كاراكاس التي يبلغ عدد سكّانها حوالي 3 مليون نسمة، لتتلاشى تقديرات استطلاعات الرأي بفوز المعسكر المُعارض بستّ ولايات. وفيما رحّب مادورو بالنتيجة المحقَّقة، قائلاً إنها «نصر جميل جاء نتيجةَ العمل الدؤوب»، كانت الروايات حول حصول عمليات تزوير قد بدأت تتسرّب؛ إذ أعرب المعارض هنريكي كابريليس، المرشّح للانتخابات الرئاسية مرتَين، عن «تحفّظات»، معتبراً أن إغلاق مكاتب الاقتراع في ساعة متأخرة «قد يكون أدّى إلى عمليات تزوير». أمّا زعيم المعارضة، خوان غوايدو، الذي كان قد أكّد أن «مادورو سيفوز»، فعاد ليشدِّد على أن الرئيس الفنزويلي «كان وسيظلّ غير شرعي». وتعكس تصريحات المعارضَيْن التي جاءت قبل إعلان النتائج، معرفةَ المعارضة المسبقة بخسارتها هذه الجولة لمصلحة «التشافيزييّن»، وخصوصاً في ظلّ الانقسام الذي تعانيه، والذي يعدّ أحد أبرز العوامل التي أسهمت في فوز الاشتراكيين. غير أن هناك عوامل أخرى أسهمت أيضاً بهذا الفوز، ومنها: زيادة الإقبال على المشاركة في الانتخابات، والذي وصل إلى 42% بعدما بلغ في الانتخابات التشريعية الأخيرة، العام الماضي، حوالى 30%؛ قرار المعارضة الفنزويلية بالمشاركة بعد أربعٍ سنواتٍ من المقاطعة، أوّلاً في الحوار الذي استضافته المكسيك وأفضت مخرجاته إلى الاتفاق على إجراء الانتخابات بإشراف دولي، وثانياً في الانتخابات، بعدما أدركت أن جهودها ــــ منذ محاولة الانقلاب على مادورو عام 2018 ــــ ذهبت سدى.
تشكّل نتائج هذه الانتخابات عاملاً حاسماً في مستقبل الأزمة السياسية في فنزويلا


وكما أن هذه الانتخابات عكست فشل المعارضين، فهي عكست أيضاً فشل الأميركيين، لكونهم «عرّابي» المعارضة الفنزويلية ومركز تمويل خُططها. وبالتالي، باتت الولايات المتحدة بعد هذه الانتخابات في وضعٍ أصعب لناحية التشكيك في شرعية نظام مادورو، وذلك لأنها كانت من الموافقين على إجراء الانتخابات في محادثات المكسيك بشرط إرسال مراقبين دوليين. وهو الأمر الذي التزمت به حكومة كاراكاس، إذ حضر انتخابات، أول من أمس، مراقبون من الاتحاد الأوروبي، توّزعوا على أكثر من 14 ألف مركز اقتراع، في خطوة هي الأولى من نوعها منذ انتخابات عام 2006. كما حضر عملية الاقتراع والفرز أكثر من 300 مُراقب دولي و9 منظمات غير حكومية مُستقلّة، إضافة إلى منظّمة «كارتر» الأميركية.
ووفق متابعين للملف اللاتيني، فإن نتائج هذه الانتخابات ستكون من العوامل الحاسمة في مستقبل الأزمة السياسية في فنزويلا، غير أن ذلك يرتبط بالتطورات الداخلية والدولية التي تواجهها الدولة الكاريبية، ومنها: قدرة الحزب الحاكم على إدارة أزمات البلاد وتخفيف وطأتها على السكان من خلال إيجاد مخرج حاسم لتأمين السلع الأساسية. وهو أمر ممكن بالنسبة إلى الحكومة الفنزويلية، وخصوصاً بالنظر إلى النهج الذي اتبعته في إدارة الأزمة خلال السنوات الثلاث الماضية، إذ استطاعت، من خلال شركائها الاستراتيجيين مثل إيران وروسيا والصين، تأمين النفط والسلع الغذائية والأدوية ومحاربة وباء «كورونا» بشكلٍ لافت. أما بالنسبة إلى المعارضة، فتبدو نتائج هذه الانتخابات بمثابة «إنذارٍ» للمِحور اليميني لاسترجاع قوّته وتوحيد صفوفه قبل الانتخابات الرئاسية المَنوي إجراؤها عام 2024، وهو الأمر الذي يتطلّب دعماً أميركياً أكبر من ذلك الذي تقدّمه إدارة الرئيس جو بايدن حالياً.