أظهر الانسحاب الفوضوي والمهين للولايات المتحدة من أفغانستان، مرّة أخرى، أن الجهات الفاعلة السيّئة تملأ الفراغ عندما تنسحب واشنطن. على الرغم من عدم وجود طريقة سهلة للولايات المتحدة و«التحالف الدولي» لمغادرة أفغانستان، فقد حقّقت مهمّتهما تقدّماً على جبهات عديدة، ولم يكن هناك سبب لتصل إلى مثل هذه النهاية المُحرجة. يجب على العالم ألّا يستخلص الدروس الخاطئة من أفغانستان. كان هذا الفشل الذريع بعيداً عن الحتمية. كما أن من شأنه أن يُفاقم الحماقة، إذا توقّفت الديمقراطيات المتقدّمة في العالم عن دعم السعي إلى الحرية والديمقراطية في الدول الاستبدادية والبلدان التي مزّقتها الحروب. وهذا يشمل أفغانستان، حيث يجب على الولايات المتحدة وشركائها تقديم دعمهم لجهود المقاومة المستمرّة لمعارضة «طالبان».


انسحاب أخرق
انتهك الانسحاب الأميركي من أفغانستان ثلاثة مبادئ أساسية لإدارة الصراع:
أولاً، لا تخبر العدو بموعد الانسحاب. حدّدت الولايات المتحدة، من جانب واحد، 31 آب 2021 موعداً لمغادرة جميع القوات الأميركية، ما أزال أيّ حافز لدى «طالبان» للسعي إلى انتقالٍ سلمي. وبدلاً من ذلك، انتظرت هذه المجموعة الانسحاب الأميركي، ثمّ بدأت في الاستيلاء على البلاد، من خلال القوّة والرشوة والترهيب. استغرق الأمر أسابيع فقط، قبل أن تصل «طالبان» إلى كابول. الدرس واضح: لا تدع العدو يعرف خططك. يجب أن يكون الانسحاب على أساس الشروط، وليس الجدول الزمني.
ثانياً، لا تتخلَّ عن أصدقائك. في عام 2018، أبرمت إدارة الرئيس دونالد ترامب صفقة مع «طالبان»، من دون اشتراط امتناع الحركة عن مهاجمة قوات الأمن الأفغانية. وعندما تحايلت على كابول، من خلال التفاوض مباشرة مع «طالبان»، رأت القبائل المحلّية وأمراء الحرب، الأمور بوضوح. كان لديهم كلّ الحوافز للتفاوض على صفقات جانبية مع «طالبان»، على أمل أن تسمح لهم بتجنّب العقاب. من خلال إخراج الحكومة الأفغانية من عملية التفاوض، خسرت واشنطن و«التحالف الدولي» شركاءهما، وقوّضا مصداقيّتهما. لم تتخلّ الولايات المتحدة وشركاؤها عن الحكومة الأفغانية فحسب، بل تخلّوا عن الرجال والنساء الذين عملوا معهم عن كثب. على الرغم من قرار مغادرة أفغانستان، في حلول نهاية آب، إلّا أن غالبية الدول لم تعدّ خطط إجلاء لمواطنيها، أو للمترجمين والأفغان الآخرين الذين ساعدوا «التحالف» (...). إذا لم تساعد الولايات المتحدة وحلفاؤها الأشخاص الذين ساعدوهم، أثناء العملية في أفغانستان، فكيف يتوقّعون أن يدعمهم الناس في العمليات العسكرية المستقبلية؟ تتحمّل الدول التي تشنّ تدخّلات عسكرية في الخارج، مسؤولية واضحة عن مساعدة أولئك الذين ساعدوها، ويجب ألا تغرق هذه المسؤولية في البيروقراطية.
ثالثاً، لا تتجاهل تضحيات قوّاتك. يتساءل العديد من قدامى الجنود المشاركين في الحرب الأفغانية وعائلاتهم، عمّا إذا كانت جهودهم ذهبت سدى. بالعودة إلى عام 2001، كانت الأولوية الأساسية للولايات المتحدة وشركائها، هي اجتثاث «القاعدة» والإرهاب الدولي من أفغانستان. أكملت قوّاتنا تلك المهمّة ببسالة، بما في ذلك عندما قضت واشنطن على أسامة بن لادن. وخلال السنوات العشرين الماضية، لم يتمّ شنّ هجوم إرهابي واحد في أميركا الشمالية، أو أوروبا، من أفغانستان. ما كان ينبغي لواشنطن وشركائها أن يغادروا بطريقة تثير الشكوك حول قيمة عِقدين من الجهد المبذول. في ذروة التدخّل، كان هناك في أفغانستان أكثر من 130 ألف جندي، من 51 من دول «حلف شمال الأطلسي»، والدول الشريكة. ثمّ تراجعت هذه الأرقام بشكل حادّ: فقط 2500 جندي أميركي، كجزء من مهمّة دعم دولية قوامها 9600 جندي، بقوا في البلاد. كان هذا الحدّ الأدنى كافياً لتحقيق الاستقرار في الوضع، مع عدد محدود من الضحايا والتكاليف. كان من الممكن أن نبقى ونخبر «طالبان» أننا سنغادر بشرط أن يتوقّفوا عن مهاجمة الحكومة الأفغانية، إضافة إلى الموافقة على حلّ سياسي يضمن مستقبلاً سلمياً لأفغانستان. كان هذا من شأنه أن يمنع الخروج الكارثي، الذي ترك البلاد في حالة أسوأ بكثير، بينما أفسح المجال أمام أكثر الأيام دموية بالنسبة إلى القوات الأميركية في أفغانستان، منذ عقد من الزمان.

ماذا الآن؟
أدّت هذه الأخطاء إلى الانسحاب المضطرب من أفغانستان، لكنها لا يمكن أن تكون نهاية القصّة. ربما تكون الولايات المتحدة وشركاؤها قد أنهوا مشاركتهم العسكرية المباشرة في الحرب، لكن لا يزال يتعيّن عليهم اتّخاذ خطوات فورية لإنقاذ الأفغان المعرّضين للخطر، ومنع «طالبان» من إعادة تأسيس حكمها الديني الوحشي.
أولاً، يجب على الولايات المتحدة وحلفائها إكمال إجلاء الأفغان الذين عملوا مع «التحالف الدولي» ومع المنظّمات الدولية - الأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي، و«حلف شمال الأطلسي» - حتّى بعد الانسحاب من مطار كابول. يجب على الدول الأوروبية إظهار الكرم للتأكّد من رعاية كلّ أفغاني يحتاج إلى المغادرة. الشيء نفسه ينطبق على المدافعين عن حقوق الإنسان. يجب أن نُلزم «طالبان» بمواصلة السماح للناس بمغادرة البلاد.
ثانياً، يجب على واشنطن وشركائها عزل «طالبان» سياسياً. لا ينبغي لديمقراطيات العالم أن تعترف بحكومة «طالبان». في الوقت الحالي، نرى الحركة ترسل رسائل تصالحية إلى العالم الخارجي، واعدة بأن يكون عناصرها حرّاساً مسؤولين، وأن تحمي الحقوق الأساسية. ومع ذلك، من المستحيل الوثوق بها. تشير التقارير المُقلقة عن الوحشية ضدّ النساء، وإعدام الجنود، والقيود المفروضة على الصحافيين، إلى عودة النظام الإسلامي الأصولي الاستبدادي ذاته. وبالمثل، يجب أن نوضح تماماً أنه لن تكون هناك مساعدات دولية لأفغانستان، من دون تلبية «طالبان» لشروط واضحة بشأن حقوق الإنسان (...).
ثالثاً، يجب أن نساعد الأفغان على مساعدة أنفسهم للتخلّص من «طالبان». ظهرت، بالفعل، مقاومة مسلّحة واحدة، على الأقل، في شمال البلاد، يقودها نائب الرئيس السابق، أمر الله صالح، وأحمد مسعود، نجل أحد المقاتلين المناهضين لـ«طالبان». يتّجه عناصر من قوات الأمن الأفغانية الراغبين في مواصلة القتال إلى تلك المنطقة، بمن فيهم أفراد من القوات الخاصة الأفغانية التي تدرّبت على يد الجنود البريطانيين. على الرغم من أن الوضع متقلّب والمقاومة في مراحلها الأولى، فإن «طالبان» لم تسيطر بعد على كلّ أفغانستان. بعد الانسحاب الكارثي من البلاد، يقع على عاتق الولايات المتحدة وحلفائها، التزام أخلاقي بتزويد القوات المناهضة لـ«طالبان» بالمعدّات العسكرية والمساعدات الاقتصادية (...).
يحتاج العالم إلى قيادة أميركية قوية لتعزيز الحرية. في وقت تتزايد فيه القوى الاستبدادية، سيكون الأمر كارثياً إذا أصيبت الولايات المتحدة، والدول ذات التفكير المماثل، بخيبة أمل من قيَمنا. في الوقت نفسه، يجب أن تعلّمهم تجربتهم في أفغانستان، كيفية تعزيز القيَم الديمقراطية، بشكل أكثر فاعلية، في جميع أنحاء العالم. أوضحت الحروب في أفغانستان والعراق أن الديمقراطيات القوية لا يمكنها بناء الديمقراطية في مكان آخر، من خلال القوة العسكرية. سئم السكّان المحليون، في نهاية المطاف، من الحروب الطويلة. كما أن تدفّق المساعدات والموارد من القوات الدولية يخلق التبعية بين الحكومة والمواطنين في مناطق ما بعد الصراع، ما يعزّز التخطيط المركزي والبيروقراطية. إن الافتقار إلى مجتمع مدني قوي يجعل من السهل جداً على المسؤولين الحكوميين الانخراط في الفساد والسلوك الزبائني، بدلاً من دعم الحريات المدنية وريادة الأعمال (...).

* الأمين العام السابق لـ«الناتو» - نقلاً عن فورين أفيرز - (بتصرّف)