كشف اتصال الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، بداية الأسبوع الجاري، بنظيره الإسرائيلي الجديد، يتسحاق هرتسوغ، نيّات أنقرة وتوجّهاتها الجديدة الرامية إلى تحسين علاقاتها بتل أبيب. في المقابل، لا تبدو إسرائيل معنيّة كثيراً بملاقاة اليد التركية الممدودة، بعدما باتت الخصومة جزءاً لا يتجزّأ من تموضعها الإقليمي. وجاءت مكالمة إردوغان - هرتسوغ، التي استغرقت أكثر من أربعين دقيقة، مفاجِئة للمراقبين في إسرائيل، ليس لطبيعتها ومدّتها فحسب، بل لِمَا ورد فيها من إشارات و«رسائل ودّ»، ظلّت، لفترة طويلة، خارج حسابات إسرائيل وتوقّعاتها، علماً أن طلب إردوغان «تحسين العلاقات والتعاون» شكَّل خطوة أخيرة في سلسلة خطوات أقدمت عليها أنقرة للتقرُّب من تل أبيب.

لكن، هل تُقابَل مبادراتها بتجاوب وقبول إسرائيليَّيْن؟ هذا واحد من أسئلة كثيرة أثيرت أخيراً في إسرائيل في أعقاب اتصال إردوغان - هرتسوغ، وتشديد الرئيس التركي على «ضرورة التعاون (بين البلدين) في كثير من المجالات»، وهي الرسالة نفسها التي حملها إلى تل أبيب مقربون من إردوغان، من بينهم سفيره الجديد لدى الولايات المتحدة، حسن مراد مرجان، الذي أُوْكِلت إليه مهمّة تحسين العلاقات مع الإدارة الأميركية. وجد مرجان أن واحداً من المداخل الرئيسة لتحسين العلاقات مع الجانب الأميركي، هو إسرائيل ويهود الولايات المتحدة. وعلى هذه الخلفية بدأ السفير الجديد نسج علاقات مع الحاخام الأميركي، مارك شناير، الذي يُعدّ واحداً من الشخصيات الخمسين الأكثر تأثيراً في الولايات المتحدة، فضلاً عن أنه جزء لا يتجزّأ من أدوات السياسة الخارجية الإسرائيلية، إذ اعتُمد طويلاً كمبعوث إسرائيلي لتحسين العلاقات مع عدد من الدول العربية، ومن بينها الإمارات والبحرين وقطر والسعودية. ويعتقد مرجان، وفق الإعلام العبري، بأن مهمّة تحسين صورة تركيا لدى الإدارة الجديدة ستكون أسهل، إنْ نالت أنقرة رضى الجانب الإسرائيلي. وبحسب ما أوردته صحيفة «يديعوت أحرونوت»، قال شناير إن السفير التركي أبلغه بأن إردوغان أرسله لتصحيح العلاقات الثنائية بين تركيا والولايات المتحدة من جهة، وبينها وبين يهود أميركا من جهة ثانية. وأضاف: «قلْتُ له إن أوّل ما عليك فعله هو تحسين العلاقات مع إسرائيل». وكشفت الصحيفة أن مرجان حاضَرَ، بترتيب من شناير، أمام عدد كبير من اليهود الأميركيين من أصحاب التأثير والنفوذ، بغية إيصال رسالة مفادها بأن بلاده تريد تحسين العلاقات مع إسرائيل، إذ «لدينا علاقات رائعة بكل ما يتعلّق بالاقتصاد والتجارة والسياحة. لكنّ مشكلتنا هي فقط في القضايا السياسية. وإذا كنّا نشعر بعدم الارتياح تجاه بعض العلاقات التي لدينا مع جهات ثالثة في الشرق الأوسط مثل حركة حماس، فيمكننا العمل على استغلال هذه العلاقات من أجل مصلحة إسرائيل».

نُصِحَت تركيا بتحسين العلاقات مع إسرائيل كمدخل لنيل رضى الإدارة الأميركية الجديدة


قد يكون في كلام السفير التركي إشارات دالّة على تغييرٍ ما في سياسة أنقرة تجاه تل أبيب، ليس في اتجاه الرضوخ الكامل لإرادتها وشروطها، بل عبر إبقاء الأمور على حالها، وتحويلها كي تصبّ في المصلحة الإسرائيلية. وهنا يكمن الشيء ونقيضه في ما يتّصل بالخطاب السياسي التركي المعلَن تجاه إسرائيل، في مقابل الخطاب الواقعي، غير المحكوم بضرورات العلاقات العامة. ويعني العرض التركي استغلال مَن بقي من قيادات تابعة لحركة «حماس» على الأراضي التركية، لتقوم تركيا من خلال هؤلاء، بدور الوسيط بين إسرائيل والحركة، إن كان في ملف الجنود الأسرى في غزة، أو التخفيف من حدّة التصعيد واحتمال انفلاشه في مواجهات لا تريدها تل أبيب.
لكن، هل تستجيب تل أبيب للعرض التركي؟ قد يكون الجواب «لا» كبيرة، وهو ما تسرّبت مقدِّماته عبر الإعلام العبري نقلاً عن جهات مسؤولة في المؤسسة الأمنية في تل أبيب: «لا تطبيع علاقات مع تركيا، دون طرد الذراع العسكرية لحماس من إسطنبول». الشرط الإسرائيلي كما يرد، لا يحمِل أيّ معنى سوى أنه يرفض العرض التركي، خاصّة أن مَن تبقّى من «الذراع العسكرية» لـ«حماس» على الأراضي التركية، عددٌ محدود جداً وبمسؤوليات غير رفيعة، يُمنع عنه أيّ عمل ضدّ إسرائيل، وسط تتبّع وإحاطة استخبارية على مدار الساعة من جانب الاستخبارات التركية. في الواقع، ونتيجة الجهد الأميركي والضوابط الموضوعة لتركيا في كل ما يتعلّق بعلاقاتها مع الفصائل الفلسطينية، جرى نزع أيّ إمكانية فعلية للإضرار بإسرائيل.
في الوقت نفسه، ومن ناحية إسرائيل، فإن الخصومة السياسية المعلَنة تجاه تركيا لا تضرّ بمستويات العلاقات بين الجانبين، ليس في ما يتعلّق بمنع الأنشطة العسكرية لحركة «حماس» على الأراضي التركية أو انطلاقاً منها فقط، بل يمكن القول إن مرحلة الخصومة السياسية شهدت تحسُّناً كبيراً جداً في العلاقات التجارية والسياحية والنقل والتعاون في المؤسسات الدولية، والامتناع عن ترجمة الخصومة في المحافل الدولية بما يؤذي إسرائيل فعلاً، وكل ذلك من دون قطع العلاقات الدبلوماسية وإن تقلَّص مستواها إلى حدٍّ كبير. وفقاً لهذه المعطيات، فإن الخصومة بين تركيا وإسرائيل ليست فعلياً إلّا على مستوى العلاقات العامة، حيث تصدّر أنقرة نفسها على أنها معادية للكيان العبري، بما يحسّن صورتها ومكانتها، ويسهّل ربّما تطلعاتها القيادية في الإقليم.
لكن هل تستفيد تركيا من هذا النوع من الخصومة من دون أن تنسحب الاستفادة أيضاً على إسرائيل؟ سؤالٌ يستأهل البحث والمتابعة، وإن كان المرجَّح أن لا ضرر يلحق بإسرائيل جرّاء تردّي علاقاتها - في الشكل - مع تركيا، خصوصاً في ظلّ التحالف المستجدّ بينها وبين جهات تخاصم أنقرة. والنظام التركي ليس كالنظام الإماراتي، فالعلاقة مع الإمارات هي علاقة تحقِّق المصالح الإسرائيلية بلا أثمان، في حين أن إعادة تطبيع العلاقات مع تركيا، في ظلّ اللاضرر من تردّيها، بل في الواقع المصلحة في هذا التردّي، تتطلّب من تل أبيب التريُّث. التحسُّن في العلاقات - كما تريده أنقرة - يتعلّق بتحسُّن شكلي لأزمة هي في ذاتها شكلية، ما يعني أنه إن قبلت إسرائيل العرض التركي، فستتلقّى فائدة شكلية، وإن رفضت، فلا يغيّر موقفها في الواقع شيئاً. أما عرضُ أن تكون تركيا وسيطاً، فهو ما لا تريده تل أبيب، ويكفيها وجود وسطاء غبّ الطلب، من جهات مستعدّة لتكون أكثر طواعية، علماً أن قبول العرض التركي ينطوي على مخاطرة بأن تسمح إسرائيل، بإرادتها، بإدخال لاعب جديد لا لزوم له على الساحة الفلسطينية، سيكون بطبيعة الحال حريصاً على التمايز عن الوسطاء التقليديين الذين خيّبتهم إسرائيل، والأهمّ أنها تأمَن جانبهم، كونهم لا يمكنهم، وفقاً لمصلحة أنظمتهم، الانحياز إلى الفلسطينيين.