أيّ قراءة للأزمة السياسية التي يعيشها كيان العدو، تنطلق حصراً من الخلاف حول تولّي بنيامين نتنياهو رئاسة الحكومة، تظلّ قراءة ناقصة تتجاهل عناصر أكثر أهمية وتأثيراً وديمومة. ومع أن قضية نتنياهو شَكّلت عاملاً رئيساً في توريط إسرائيل في انتخابات مفتوحة على مدى سنتين، إلا أن هناك أيضاً قضايا خلافية جوهرية، لها دورها الرئيس في الواقع السياسي الإسرائيلي، يتمحور أبرزها حول مسألة الدين والدولة، والموقف من فلسطينيّي الـ 48. ويرجع عمر تلك الانقسامات إلى ما قبل الأزمة الحكومية المستمرّة منذ سنتين، وهي أسهمت في تغذيتها، وستبقى إلى ما بعدها حتماً. ونتيجة الخطورة التي يستبطنها الواقع الراهن، ولكونه يعكس عمق الانقسامات في المجتمع الإسرائيلي، فقد حضر في التقدير الاستراتيجي السنوي الصادر عن "معهد أبحاث الأمن القومي" لعام 2021، من زاوية التحذير من تهديد كامن للأمن القومي، بمفهومه الواسع.

من الواضح أن نتائج الانتخابات عكَست الانقسامات القائمة في المجتمع الإسرائيلي بعناوينها المختلفة، فيما كشفت هيمنةُ اليمين على "الكنيست" الاتجاه الغالب في الجمهور الإسرائيلي - اليهودي، في الموقف من هذه القضايا. فقد حَقّق معسكر اليمين، بنسخته الاستيطانية المتطرّفة، هيمنة على "الكنيست"، بلغت 72 عضواً من أصل 120، تتيح له نظرياً الإطباق على المؤسّستَين التشريعية والتنفيذية، لكن الانقسامات داخله على أسس مصلحية وسياسية، وحتى أيديولوجية، حالت وتَحول دون تحقُّق هذا السيناريو، حتى الآن. وتوزّعت حصّة المعسكر المذكور على كلٍّ من "الليكود" (30)، الأحزاب "الحريدية" (16)، "الصهيونية الدينية" (6)، "أمل جديد" (6)، "إسرائيل بيتنا" (7)، و"يمينا" (7). في المقابل، ظَهَر اليسار كقوّة هامشية بعدما نال 13 مقعداً فقط ("ميرتس" و"العمل" في ظلّ قيادته الجديدة). وإذا حَذَفنا من الحسابات حصّة ممثّلي الفلسطينيين (10 أعضاء)، يتّضح أن نسبة اليمين المتطرّف من الخارطة السياسية اليهودية تبلغ نحو 67%، من دون احتساب مجموعة قوى أخرى تصُنّف ضمن "اليمين - الوسط".
تَعكس هذه النتائج، وما سبقها أيضاً، الواقع الاجتماعي الذي آلت اليه إسرائيل في أعقاب المٌتغيّرات التي شهدتها طوال العقود الماضية، وعمَّقت فيها حالة الانقسام على المستويات كافة، القطاعي والأيديولوجي والسياسي. وسبق أن حذَّر من هذا الانقسام وخطورته على مستقبل إسرائيل، رئيس الدولة رؤوفين ريفلين، قبل سنوات، عندما نبّه إلى أن إسرائيل باتت على مفترق طرق، وأنها تتشكّل اليوم من أربع "قبائل": "العلمانيون، المتدينون الصهاينة، الحريديم، والعرب". ومع أن هذا التقسيم ليس جديداً، إذ إنه واكب الكيان الإسرائيلي منذ التأسيس، إلا أن الجديد اليوم يكمن في التقارب العددي بين هذه القطاعات، بعدما لم يَعُد الطابع العلماني الأشكنازي الاشتراكي غالباً، كما كان في العقود الأولى.

سبق أن حذّر ريفلين من أن إسرائيل باتت على مفترق طرق، وأنها تتشكّل اليوم من أربع «قبائل»


في سياق هذه التحوُّلات، تحوَّل الشرقيون من فئة هامشية إلى فئة متصدِّرة تُنافِس الغربيين على أكثر من مستوى سياسي واجتماعي، فيما أضحى "الحريديم"، بفعل تزايُدهم العددي، قوّة رئيسة على الساحة السياسية، وبات المستوطنون، أيضاً، قوة مماثلة منذ ما بعد حرب 67، في أعقاب عمليات الاستيطان الزاحف في الضفة الغربية. وإذا ما أضفنا إلى تلك القوى، الجمهور الروسي الذي هاجر إلى فلسطين المحتلة مع انهيار الاتحاد السوفياتي، تصبح واضحة الركائز الاجتماعية التي تستند إليها الهيمنة اليمينية. وكتعبير آخر عن حالة الانقسام السياسي - الاجتماعي، يلاحَظ أن قطاعات علمانية متشدّدة في موقفها من الأحزاب "الحريدية"، توزّعت على معسكرات سياسية متعدّدة؛ ففي اليمين - الوسط تَمثّل هؤلاء عبر حزب "يوجد مستقبل" (17 مقعداً)، وفي اليمين المتطرّف عبر "إسرائيل بيتنا" (7 مقاعد)، وفي اليسار عبر "ميرتس".
وعلى خلفية تجذُّر الانقسامات في الواقع الإسرائيلي، والتي تتعدّد مظاهرها السياسية والاجتماعية، أتى تحذير التقدير الاستراتيجي السنوي الصادر عن "معهد أبحاث الأمن القومي"، للعام 2021، من أن إسرائيل تواجه تهديداً استراتيجياً داخلياً، يُمكن أن يؤدي إلى إضعاف مؤسّسات الدولة وفقدان الثقة بها. ويلاحَظ في هذا التقدير أنه للمرّة الأولى يتمّ تصنيف الانقسام الداخلي على أنه مصدر مباشر للتهديدات التي قد تمسّ بالأمن القومي بمفهومه الواسع (المفهوم الضيّق يتّصل بالبعد العسكري)، لكونه يُقوِّض "المناعة" المجتمعية، بحسب التوصيف الإسرائيلي.
من جهة أخرى، لم تقتصر دلالات نتائج الانتخابات على القطاع اليهودي، بل شملت أيضاً الفلسطينيين، وإن في سياقات وظروف وأبعاد مختلفة؛ إذ تراجَع تمثيلهم في "الكنيست" من 15 عضواً إلى 10 أعضاء، كما تراجَعت نسبة مشاركتهم من 65% في الانتخابات السابقة (آذار 2020) الى 45%، وهي النسبة الأقلّ في تاريخ إسرائيل. وفي ضوء ذلك، كان من الطبيعي أن يتقهقر تمثيلهم السياسي - الذي تَوزّع بين "القائمة العربية المشتركة" (6 مقاعد) و"القائمة العربية الموحّدة" 4 مقاعد) -، وهو ما ينطوي على عدّة رسائل، أهمّها أن الشارع الفلسطيني داخل الخطّ الأخضر أعرب عن موقفه السلبي من الانقسام الذي شهدته القوى السياسية التي تُمثّله، إضافة إلى التعبير عن خيبته من عدم تحقيق ولو الحدّ الأدنى من توقّعاته من مُمثّليه، فضلاً عن أن تكرار الانتخابات من دون حسم يُشكّل بذاته عامل إحباط. كلّ هذه العوامل أسهمت في فشل القوى السياسية الفلسطينية في استنهاض شارعها لتكرار نسبة المشاركة التي تَحقّقت في الانتخابات السابقة، أو ما يقرب منها.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا