بات واضحاً أن التوتُّر المتصاعد في العلاقات الصينية ــــ الأميركية سيكون سِمَة عهد إدارة الرئيس الأميركي، جو بايدن. وهو ما عكسه، أوّلاً، تَوجُّه الإدارة إلى تحديد الأُسس العملية التي تريد بناءً عليها مواجهة التنّين الصيني، بوصفه «التهديد الأكبر» لأميركا؛ وثانياً فشل اللقاء الذي جمع وزيرَي خارجية البلدين، ومُستشارَي الأمن القومي فيهما، في ولاية ألاسكا الأميركية، في إعادة ضبط إيقاع العلاقات المتدهورة. إذ انتهى الاجتماع من دون بيان ختامي أو إعلان تفاهم على الأمور الخلافية الكثيرة بين القوتَين الاقتصاديتَين، سوى لجهة التعاون الثنائي في قضايا المناخ ومكافحة فيروس «كورونا».

وبدلاً من «انفراجة دبلوماسية» لم تكن متوقّعة أصلاً، بدا الاجتماع الأوّل بين الطرفين في عهد الإدارة الجديدة «صعباً ومعقّداً»، في ظلّ غياب أرضية مشتركة للتفاهم، وطغيان الحدّة على المحادثات الثنائية، التي تخلّلها تراشق كلامي لم يسبق له مثيل. وبدا واضحاً تصرُّف بكين على أساس «التوازي»، وهي التي تعي أن واشنطن تضعها نُصب عينيها، الأمر الذي زاد من تعقيد المناقشات، إذ لم يترك مسؤولاها مجالاً لنظيرَيهما الأميركيَّين لمُقارعتهما ولو كلامياً، فكلّ هجومٍ قابله ردٌّ. وهو ما برز خصوصاً لدى افتتاح اللقاء، يوم الخميس الماضي، حين اتّهم وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، بكين بـ»تهديد الاستقرار العالمي، وبسرقة براءات اختراع لشركات أميركية، وبعدم الشفافية في شأن منشأ فيروس كورونا»، فيما أوضح مستشار الأمن القومي، جايك سولفيان، أن بلاده لا تسعى إلى «نزاعٍ مع بكين، لكنها منفتحة على منافسة شرسة معها». قابَل هذه الحدّة ردٌّ من الجانب الصيني على لسان رئيس الشؤون الخارجية، يانغ جيتشي، الذي اتهم واشنطن بالتدخُّل في شؤون بلاده الداخلية، وبالسعي إلى كبح صعودها الاقتصادي، مدافِعاً بأن بكين «لا تلجأ إلى القوّة لغزو بلدان أخرى وتغيير أنظمة حكمها». وإذ طالب الجانب الأميركي «بالتخلّي عن عقلية الحرب الباردة»، فقد أكد أن العملاق الآسيوي لا يريد «مواجهة ولا صراعاً». كما لم يتوانَ عن وصِف بلينكن بـ»المتعجرف»، متهماً إيّاه بـ»إجراء استعراض قوة أمام الكاميرات في القاعة».

أشار سوليفان إلى أن بلاده لا تسعى إلى نزاعٍ مع بكين، لكنها منفتحة على «منافسة شرسة» معها


التناحر الذي ظهر قبيل اللقاء، استمرّ إلى ما بعده، وهو ما تجلّى خصوصاً في تصريحات بلينكن التي أعقبت المحادثات، والتي أشار فيها إلى استراتيجية الدفاع عن النفس المعتمَدة من قِبَل الصين إزاء الانتقادات الأميركية في مجمل القضايا، واصفاً إيّاها بـ»غير المفاجئة». ولفت إلى أنه كان «صريحاً» حيال سلوك بكين تجاه أقاليمها الداخلية من هونغ كونع إلى شينجيانغ، وحيال تحرُّكاتها في الجوار وفي مجال الفضاء الإلكتروني، مؤكداً استعداد الولايات المتحدة للتشاور معها حول عدّة قضايا، من بينها كوريا الشمالية وأفغانستان وإيران وحقوق الإنسان، حيث «تتقاطع» مصالح البلدين، على رغم «الاختلافات الشديدة». من ناحيته، وصف سوليفان المحادثات بـ»الصعبة والمباشرة»، مشيراً إلى أنها دارت حول مجموعة واسعة من القضايا. لكنه أكد أن بلاده «ستواصل العمل مع الصين من خلال القنوات الدبلوماسية الطبيعية». النبرة ذاتها طغت على تصريحات وزير الخارجية الصيني، الذي دعا الجانب الأميركي إلى «عدم الاستهانة بعزم بكين على حماية سيادتها ومصالحها»، مشيراً إلى أن بلاده لا تزال «تأمل أن تُلاقيها واشنطن في منتصف الطريق»، مع تشديده على أن احترام المصالح الأساسية للدولتين يُعدُّ «أمراً حيوياً»، وأن «باب الحوار الصيني ــــ الأميركي سيكون مفتوحاً دائماً»، فيما اعتبر رئيس الشؤون الخارجية أن هذه المحادثات «كانت صريحة وبناءة ومفيدة»، لافتاً إلى أنه «لا تزال هناك خلافات».
هذا اللقاء، الذي كان مقرَّراً لتخفيف حدّة «الاحتقان»، أنبأ بأن «سياسة المواجهة» الأميركية ــــ الصينية التي اعتمدها الرئيس السابق، دونالد ترامب، هي التي ستهيمن على السنوات الأربع المقبلة، وأن التدهور الذي لا يفتأ يتزايد في العلاقات بين البلدين لم يعد ممكناً ضبطه، وخصوصاً في ظلّ التنافس المتصاعد بين القوّتَين، والذي بات يُنذر، وفق مراقبين، باتّساع رقعة المواجهة.


اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا