بعد أيام قليلة من دخوله البيت الأبيض، أصدر الرئيس الأميركي، جو بايدن، قوانين تنفيذية عدّة تهدف إلى التخفيف من حدّة انعكاسات سياسات الهجرة التي كان يتّبعها الرئيس السابق، دونالد ترامب. ومن أبرزها، قانونٌ يقضي بتمهيد الطريق أمام نحو 11 مليون مهاجر غير شرعي داخل أراضي الولايات المتحدة، للحصول على الجنسية. بالإضافة إلى ذلك، أعلن عن نيّته استقبال طالبي اللجوء الهاربين من العنف في المناطق المكسيكية والتعهّد بلمّ شمل العائلات التي تفرّقت على الحدود. بيد أنّ هذه المهمّات تبدو صعبة المنال، لأسباب كثيرة، قد يكون أهمّها في الوقت الحالي، عدم حيازة الديمقراطيين على أغلبية مريحة في مجلس الشيوخ، تمكّن من تمرير أيّ تعديل، في هذا المجال، مهما كان بسيطاً.


طلب المساعدة من الرئيس المكسيكي
منذ شهر كانون الثاني، يتدفّق عدد كبير من المهاجرين إلى الولايات المتحدة، عبر الحدود مع المكسيك. أمرٌ فاقم ردود فعل الجمهوريين والديمقراطيين، على حدّ سواء، تجاه سياسة الإدارة الجديدة المرتبطة بالهجرة ودفع بالرئيس جو بايدن، إلى الاستمرار ببعض السياسات التي كان الرئيس السابق، دونالد ترامب، قد فرضها. ومن هذا المنطلق، طلب بايدن من نظيره المكسيكي، أندريس مانويل لوبيس أوبرادور، الاستمرار في تقديم المساعدة لمنع المهاجرين من التوجّه شمالاً من أميركا الوسطى إلى الولايات المتحدة عبر المكسيك بشكل خارج عن السيطرة. يبقى هناك فرق واحد بين ترامب وبايدن، في هذا الإطار، وهو عدم لجوء الأخير إلى سياسات التهديد والوعيد التي كان يعتمدها سلفه مع المكسيكيين.

لم يُخف بايدن أنه أبقى على السياسة التي تقضي بمنح الوكلاء الحق بطرد اللاجئين الجدد فوراً (أ ف ب )

وبالرغم من أنّ بايدن قد بدأ، أخيراً، بالترحيب بعدد محدود من طالبي اللجوء الهاربين من أعمال العنف والاختطاف في بعض المناطق المكسيكية، إلّا أنّه لم يخفِ، خلال المقابلة، أنّه أبقى على السياسة التي تقضي بمنح الوكلاء الحق بطرد اللاجئين الجدد عبر الحدود مع المكسيك فوراً، وهي السياسة التي كان قد بدأ بها ترامب، ضمن حملته للاستجابة الطارئة لتفشي وباء «كورونا». بايدن يعرف تماماً الحاجة إلى التعاون المكسيكي في هذا المجال، إلّا أنّه ارتأى اعتماد الأسلوب الدبلوماسي، عبر التنويه بجهود نظيره، لافتاً إلى أنّ «قوة البلدين تكمن في تعاونهما». كذلك، شدّد على أنّ الحدود بين البلدين ستُفتح للتبادل التجاري الكامل بعد انتهاء أزمة «كورونا». وبدا الرئيس المكسيكي، بدوره، منفتحاً على التعاون، إذ أصدر بياناً يعلن فيه التزامه بمواجهة هذه المسألة وجملة من القضايا الأخرى، كالاحتباس الحراري ومواجهة الوباء.

الاصطدام بالانقسام السياسي الحادّ
طرح الديمقراطيون، في الثامن عشر من شباط، قانون الجنسية الأميركية لعام 2021 ، الذي يهدف إلى تحديد مسار ثماني سنوات لحصول حوالى 11 مليون مهاجر غير شرعي داخل أراضي الولايات المتحدة على الجنسية، وتوسيع سبل الهجرة القانونية، والحد من تراكم التأشيرات وقوانين أخرى. غير أنّ الواقع السياسي الداخلي جعل تحقيق عدد من هذه النقاط، ولا سيما تلك المتعلّقة بمنح الجنسية للمهاجرين غير الشرعيين، بعيد المنال. فحتى السيناتور الديمقراطي روبرت مينينديز، المعروف بنشاطه في مسألة الهجرة، والذي تبنّى مهمّة الدفع باتجاه تطبيق القانون، وصف مسألة إقناع العدد الكافي من النوّاب بتمريره، بالمهمة «الجبّارة»، خصوصاً في ظلّ الانقسام السياسي الحادّ الذي تشهده البلاد.
فتمرير القانون يتطلّب موافقة 10 جمهوريين على الأقل، ليصل إلى مرحلة التصويت على كلّ بند بشكل منفرد. ومن الواضح أنّ المشرّعين الجمهوريين، وبعض الديمقراطيين المحافظين، يرفضون قانون إعطاء الجنسية، بل يطالبون حتى بتشديد القيود المفروضة على الهجرة. وحتى اليوم، تبقى مهمّة تمرير هذا القانون وتحقيق طموحات ملايين المهاجرين غير الشرعيين شبه مستحيلة.

لمّ شمل العائلات
قد يجد بايدن زاوية تمكّنه من تطبيق جزء من خطّته، وهي تلك المتعلّقة بلمّ شمل العائلات، التي تُعتبر أكثر سهولة من غيرها من طموحاته في مجال الهجرة. فسياساته التي تبقى أقل تشدّداً من سياسات سلفه، بات من الواضح أنّ الظروف الموضوعية تحول دون تطبيق أهداف عدّة فيها. وربطاً بهذه المسألة، صرّح منذ أيامه الأولى في البيت الأبيض، عن رغبته في إعادة لمّ شمل العائلات التي تفرّقت على الحدود بسبب سياسات ترامب الصارمة. وهو لا يزال يندد بإجراءات هذا الأخير «الوحشية»، التي فرّقت آلاف الأطفال عن عائلاتهم. وبالفعل، بدأ مئات الأطفال بالاجتماع مع ذويهم داخل أراضي الولايات المتحدة. بيد أنّ لمّ شمل أكثر من خمسة آلاف عائلة لن يكون سهلاً، وسيتطلّب وقتاً طويلاً، ولا سيّما أنّ أماكن عائلات مئات الأطفال لا تزال مجهولة.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا