يمتاز الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، بقدرته على مفاجأة الرأي العام - كما خصومه - بطرح قضايا للنقاش من خارج جدول اهتمامات الجميع، فيُدخِل البلاد والمجتمع في حلقة مفتوحة من السجالات. وإذا كان إردوغان يهدف، من وراء ذلك، إلى حرف الاهتمام عن قضية معيّنة تُربكه أو تحرجه، أو إلى جسّ نبض المزاج العام، فالأكيد أنه لا يمكن، استناداً إلى التجارب الماضية، إسقاط جدّية مبادراته. فالحديث عن النظام الرئاسي، مثلاً، كان مطروحاً منذ عهد الرئيس الراحل، طورغوت أوزال، في نهاية الثمانينيات. ومنشأ هذا أن أوزال انطلق من موقعه القوي في رئاسة الحكومة، ليُنتخَب رئيساً للجمهورية محدود الصلاحيات. مع إردوغان، تكرّرت التجربة. ففي عام 2014، انتُخِب هذا الأخير رئيساً للجمهورية، حيث وجد نفسه أيضاً محدود الصلاحيات، فيما القرار المركزي بيد رئيس الحكومة، أحمد داود أوغلو، الذي أصبح أيضاً رئيساً لـ«حزب العدالة والتنمية». إزاء ذلك، عمِل إردوغان على إقناع نواب حزبه بالنظام الرئاسي، على رغم أن رئيس الحكومة عارض طرحه آنذاك. وهي معارضة مثّلت أحد أسباب «صبر» إردوغان، حتّى أيار/ مايو 2016، عندما أقال داود أوغلو، وعيّن بدلاً منه بن علي يلديريم رئيساً للحكومة وللحزب. ولم تمضِ سنة على التغيير المذكور، حتى طرح الرئيس التركي تعديلات دستورية واسعة وجذريّة، تكاد تعادل في أهميّتها وضعَ دستور جديد. فكان استفتاء الـ 16 من نيسان/ أبريل 2017، الذي وافق على الانتقال بالبلاد من نظام برلماني إلى نظام رئاسي. ومِن بعدها، أُجريت على عجل انتخابات نيابيّة ورئاسيّة مبكرة في 24 حزيران/ يونيو 2018، نجح إردوغان في الفوز فيها، على رغم فشل «العدالة والتنمية» في تحصيل الغالبية المطلقة في البرلمان. وبذا، أصبحت تركيا أمام تغيير جذريّ، بل انقلاب في طبيعة النظام السياسي الذي أرساه مؤسّس الجمهورية، مصطفى كمال أتاتورك، منذ عام 1923.

يمتاز إردوغان بالجرأة على رمي أفكار «كبيرة» في الساحتَين الداخلية والخارجية، مثل شقّ قناة بين البحر الأسود وبحر مرمرة، وبناء أحد أكبر مطارات العالم، وإقامة جسور معلّقة جديدة في البوسفور وبحر مرمرة، ووعده بإرسال مركبة إلى القمر بحلول عام 2023، واحتلال شمال سوريا، وإرسال قوّات إلى ليبيا متحدّياً مصر والسعودية والإمارات وكلّ العرب في عقر دارهم، وتحويل آيا صوفيا إلى جامع متحدّياً المسيحيين والغرب. منذ فترة، طرح قضية جديدة للنقاش تتمحور حول إعداد دستور جديد. وهو طرحٌ اعترض عليه البعض، على اعتبار أن التعديل الدستوري الأخير لم تمضِ عليه سنتان ونصف سنة، لاختبار مدى نجاحه من فشله. ومع أن الرئيس التركي أراد، بهذه الفكرة، شقّ صفوف المعارضة، لكنّه يعتقد أنه إذا نجح في المضيّ بفكرته حتى النهاية، فسيُسجِّل عهده أوّل دستور يوضع منذ عام 1982. لكن نقاشات الأيام القليلة الماضية أظهرت أن المسألة أبعد من مجرّد إعداد دستور جديد، بل هي محاولة لتعديل بعض البنود الأساسية في الدستور من أجل إلغاء بند العلمانية فيه تحديداً، وإحلال آخر جديد يرسّخ الإسلام دِيناً للدولة. والمعروف أنّ دستورَي عامَي 1921 و1924 أبقيَا على مادة تشير إلى أن دين الدولة هو الإسلام. لكن تعديلاً أُجري على الدستور في عام 1928 شطَب هذا البند، من دون أن يحلّ محلّه أيّ بند آخر له علاقة بالعلمانية، التي لم تُدرَج إلّا في عام 1937، أي قبل سنة واحدة من وفاة أتاتورك. عدم إدراج العلمَنة رسمياً في الدستور قبل ذلك، كان ينتظر اختمار الفكرة في أذهان الناس. لكن التشريعات الصادرة بين عامَي 1923 و1937 عكست علمانية واضحة في الشأن العام مثل قانون توحيد التدريس، وإقرار القانون المدني عام 1924، ومن ثمّ المساواة بين المرأة والرجل في كلّ شيء. ومع أن العلمانية عَرفت ثغرات كثيرة وخطيرة في تطبيقاتها، إلّا أنها كَرّست مدنيّة الدولة وتقاليد غير دينية في الحياة الاجتماعية.
حافظ إردوغان على المرجعية العلمانية في شؤون الدولة والمجتمع، ولم يحاول المسّ بالمواد الدستورية المتعلّقة بها. لكنه، في الممارسة، عمل على تقليص الحضور والتأثير العلمانيَّين في الدولة والمجتمع لمصلحة زيادة حضور البعد الديني الإسلامي في أكثر من مجال. وتجلّى هذا، خصوصاً، في مجال التعليم، من مثل تغيير المناهج الدراسية، والسماح للمحجّبات بدخول الجامعة وتبوّء مناصب رسمية، كما ارتداء الحجاب في الإدارات الرسمية بما فيها المدارس أساتذةً وطالبات، فضلاً عن تعزيز المدارس الدينية المعروفة باسم «معاهد إمام - خطيب» بالسماح لمَن أنهى المرحلة الابتدائية بالانتساب إليها بعدما كان ذلك محصوراً بِمَن أنهى المرحلة المتوسّطة. لكن بنداً جديداً دخل على خطّ جدول أعمال الرأي العام، وهو دعوة إسماعيل قهرمان، رئيس البرلمان في عام 2017، إلى إلغاء بند العلمَنة من الدستور وإحلال آخر يشير إلى أن الدين الإسلامي هو دِين الدولة. ربّما كان موقف قهرمان، آنذاك، محاولة لجسّ النبض ومدى تقبّل المجتمع لاقتراحه. وقد طُويَ هذا النقاش حينها بعدما حصلت سجالات حادّة، ليعود الحديث اليوم عن أسلمة الدولة من باب إعداد دستور جديد. المبادرة، هذه المرّة، جاءت على لسان وزير العدل، عبد الحميد غول، الذي قال أخيراً: «الجمهورية سوف تُتوَّج بروح دستور 1921 وسيكون هناك عقد اجتماعي جديد». وأعقبه رئيس كتلة «حزب العدالة والتنمية» في البرلمان، جاهد أوزكان، وهو رجل قانون، بالقول: «سوف نُعدّ دستوراً تأسيسياً من جديد يرتكز على دستور 1921». ومن بعد ذلك، خرج إمام جامع آيا صوفيا، البروفسور محمد بوينوقالين، يقول: «يجب العودة إلى معايير الجمهورية وأن يكون الإسلام في الدستور». وعلى حسابه في «تويتر»، غرّد قائلاً: «في دستورَي عامَي 1921 و1924، كان الإسلام ديناً للدولة، ولم تكن العلمانية مُدرجة. فلْيَكُنْ الإسلام ديناً للدولة».
في هذا الإطار، يَعتبر الكاتب حسن جمال أن كلام إمام جامع آيا صوفيا هو «تهديد بأن تكون الذكرى المئة لإعلان الجمهورية موعداً لتصفية العلمانية. ومَن يدعون إلى ذلك، يظنّون أن قوّتهم كافية لتحقيقه. لكنّهم لا يعرفون أن هذا سيؤدي بالبلاد إلى جهنم». ويقول جمال إن «العلمانيّة المطبَّقة في تركيا على امتداد عقود كانت علمانية غير ديموقراطية. أن تبقي على رئاسة الشؤون الدينية وتبعد العلويين منها، وأن تدرّس الدين في المدارس على المذهب الحنفي دون العلوي، فهذا لا يمتّ بصلة إلى الدين. وهي ذهنيّة تبيح الممنوعات وتجيز إقامة دولة دينية ولا علاقة لها البتّة بالديموقراطية ولا بالجمهورية». ويتّهم جمال «سلطة السراي» - أي القصر الرئاسي - باللعب على وتر الاصطفافات والتوتّرات الاجتماعية، وهي لعبة يصفها بـ«الخطيرة جداً». ويكتب علي سيرمين، من جهته، في صحيفة «جمهورييت»، أن إردوغان، مذ جاء إلى السلطة، وهو «يواجه كلّ مشكلة بخطاب تقسيميّ وتوتيريّ للأمة وبثقافة الكراهية والبيعة، ومثل هذه السلطة لا يمكن أن تُنتج دستوراً عصرياً وديموقراطياً». ويتابع سيرمين: «ومّما يجري، فإن المسألة الملحّة والعاجلة قبل أيّ شيء آخر، هي التحرّر من توتاليتارية حزب العدالة والتنمية». ويرى الكاتب أورخان بورصه لى، بدوره، أن «العدالة والتنمية» لا يريد العودة حتى إلى عام 1921، بل إلى ما قبل 19 أيار/ مايو 1919، أي إلى ما قبل بدء حرب التحرير الوطنية. ويقول إن إردوغان يريد التكامل ليس مع سنوات الجمهورية الأولى، بل مع ما كان قائماً في عهد السلطان عبد الحميد الثاني. أمّا الشاعر المعروف، أوزده مير إينجه، فيلفت إلى أن «إردوغان وحليفه دولت باهتشلي يملكان فقط 336 نائباً، ولا يملكان حتّى العدد الأدنى المقبول لتحويل اقتراح تعديل الدستور إلى استفتاء أي 360 نائباً، فمِن أين لهما أن يعدّلا الدستور أو يضعا دستوراً جديداً؟». ويضيف إينجه: «كلّ الدساتير التي وضِعت لاحقاً في عامَي 1960 و1980 كانت انقلابية، لذلك، فإن إردوغان وباهتشلي يريدان من إعداد دستور جديد إمّا إقامة دولة جديدة، وإمّا القيام بانقلاب جديد». ويختم أوزده مير إينجه بالقول إن إردوغان في «مأزق والدستور الحالي لا يساعده، لذلك أنا مع الإبقاء على الدستور الحقير الحالي».

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا