بغداد | في ظلّ الحديث عن احتمال إقدام الإدارة الأميركية الراحلة، برئاسة دونالد ترامب، على اتخاذ خطوات غير محسوبة في المنطقة، بدا لافتاً ما نُقل عن وزير الدفاع المُعيّن بالوكالة من قِبَل ترامب، كريستوفر ميلر، من أنه عازم على تسريع سحب جنوده من أفغانستان والشرق الأوسط، ليعيد طرح تساؤلات حول ما إذا كانت قوات الاحتلال الأميركي ستنسحب من العراق قبل نهاية 2020؟ (راجع «الأخبار»، عدد 4009).

مصادر عراقية حكومية أكدت، في حديثها إلى «الأخبار»، أن الحكومة على تواصل مع إدارة ترامب، مشيرة إلى أن الأخيرة في صدد تنفيذ وعودها بسحب قواتها القتالية المنتشرة في بعض القواعد العسكرية المشتركة مع القوات العراقية. وهو انسحاب أقرب ما يكون إلى عملية إعادة تموضع وتخفيض لعديد قوات الاحتلال (ثمّة حديث عن أن واشنطن ستُبقي على 3000 جندي في العراق)، وتحديد لنقاط انتشارها (الحديث أيضاً عن أن تلك القوات ستنتشر حصراً في «قاعدة عين الأسد الجوية» وبعض القواعد الأخرى في «إقليم كردستان»)، ورسم لحدود مهامها. وعليه، يمكن القول إن القوة القتالية في صدد الانسحاب، في حين ستُبقي الإدارة الأميركية المستشارين والفنيّين في «بلاد الرافدين»، وفق تفاهمات مع الحكومة العراقية، لا تثير حساسية حلفاء طهران.

الوساطات بين الأميركيين وفصائل المقاومة أسفرت عن «تبريد» الجبهة العراقية


حتى اللحظة، ما من خريطة طريق واضحة لهذا الانسحاب. لكن معلومات «الأخبار» تفيد بأن حكومة مصطفى الكاظمي أُبلغت بطبيعة التوجّه المذكور، على أن تحمل الأيام القليلة المقبلة «المعلومات الكافية» في شأنه، والآليات العملية الكفيلة بترجمته. وفيما يذهب البعض، في تفسير القرار الأميركي، إلى محاولة ترامب «حشر» الإدارة المقبلة برئاسة جو بايدن، يرى آخرون أن إدارة الرئيس المنتهية ولايته أرادت الانسحاب منذ عام 2017، وهي أطلقت مفاوضات جدّية مع حكومة حيدر العبادي من أجل ذلك، لكنها لم تُرِد ــــ بحسب هؤلاء ــــ إهداء طهران «انتصاراً مجانياً»، فعادت وتراجعت عن الفكرة. لكن، ومنذ عام 2019، أعاد فريق ترامب طرح الانسحاب، إلا أنه حرص على أن يكون ذا ثمن.
أمّا اليوم، فإن إدارة الرئيس الخاسر في الانتخابات الرئاسية الأميركية تدفع ثمن اغتيالها الشهيدين قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس، بحسب ما يقول حلفاء طهران في بغداد، على اعتبار أن فصائل المقاومة كثّفت، في خلال الأشهر الماضية، من عملياتها ضدّ الاحتلال، دافعةً الأخير إلى طلب وساطات، الأمر الذي قاد في نهاية المطاف إلى تبريد الجبهة (منذ أيلول/ سبتمبر الماضي، توقّفت العمليات ضدّ المصالح الأميركية، والتي كانت قد وصلت إلى حدّ الاستهداف اليومي، متنوّعةً ما بين بدائية تستهدف الضغط، ونوعية غرضها إيصال رسائل محدّدة). الخلاصة أن واشنطن أرادت انسحاباً يحفظ ماء وجهها، بمعنى «أوقفوا من عمليّاتكم، نسرّع من عمليات الانسحاب»، وهو ما تمّت الاستجابة له عملياً.
في المقابل، تعتقد الحكومة، المتمسّكة بجهودها الدبلوماسية، بقدرتها على الوصول إلى تفاهم مع الأميركيين لضمان التنفيذ السريع للانسحاب، وخاصة أن القرار البرلماني القاضي بإخراج القوات الأجنبية من البلاد بات ملزماً للحكومة وضاغطاً عليها، فضلاً عن أن واشنطن نفسها أعلنت، في تموز/ يوليو الماضي، أنها ملتزمةٌ بتنفيذه، وذلك في البيان الصادر عن أولى جلسات «الحوار الاستراتيجي» بين البلدين.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا