للمرّة الأولى منذ الثالث من تشرين الثاني/ نوفمبر، بدا الرئيس الأميركي المنتهية ولايته، دونالد ترامب، كأنه يسلّم بالأمر الواقع، معترفاً بفوز منافسه الديموقراطي، جو بايدن. إلّا أن اعترافه جاء منقوصاً، إذ ما لبث أن أرفقه بـ»ولكن»، عندما اعتبر أن هذا الفوز جاء نتيجة تزوير الانتخابات وعدم السماح بدخول المراقبين.

وأطلق ترامب، صباح أمس، تغريدة جاء فيها: «لقد فاز (بايدن) لأن الانتخابات مزوّرة. لم يُسمح للمراقبين بالعمل، فرز الأصوات تتولّاه شركة خاصة يملكها اليسار الراديكالي»، في إشارة إلى شركة «دومينيُون» الخاصة بجدولة الأصوات، والتي اتّهمها بأنها ذات سمعة سيّئة وتستخدم أجهزة رديئة. واعتبر، في تغريدة أخرى، أن مشاكل «الخلل الميكانيكي» التي حصلت ليلة الاقتراع كانت بسبب الديموقراطيين، حين كانوا يحاولون «سرقة» الأصوات، وأنهم نجحوا بشكل كبير، من دون أن يتمّ ضبطهم. وجدّد ترامب رفضه نظام التصويت عبر البريد، واصفاً إيّاه بـ»النكتة السيّئة». كذلك، أشار إلى أن عملية «التزوير» حالت دون السماح لمراقبي الاقتراع والفرز الجمهوريين بالحضور في غرف فرز الأصوات، مضيفاً إن الأمر حدث في ولايات ميشيغان وبنسلفانيا وجورجيا وغيرها، وهو ما وصفه بـ»الأمر المخالف للدستور».
وشكّلت التغريدة الأولى الإقرار الأوضح إلى الآن من قِبَل ترامب بهزيمته. وقد تلقّفتها وسائل الإعلام على اعتبار أنها تشير إلى أن الرئيس المنتهية ولايته بدأ بتقديم تنازلات تدريجية في إطار تسليم السلطة إلى بايدن. لكنه سرعان ما عاد وأطلق بعد ساعات تغريدة جاء فيها: «فاز (بايدن) فقط في نظر الإعلام المضلّل. لا أُقر بأيّ هزيمة! الطريق طويل أمامنا. هذه الانتخابات مزوّرة!». وجاءت هذه التغريدة بعد دقائق من أخرى مفادها أن «الانتخابات مزوّرة. سوف نفوز!».
وجاءت تلك التعليقات في وقت شهدت فيه العاصمة واشنطن تظاهرات داعمة لترامب، ومحتجّة على فوز بايدن، أوقفت خلالها الشرطة 20 شخصاً، على الأقلّ. وشارك، مساء أول من أمس، عددٌ كبير من أنصار ترامب في تظاهرات كبيرة رافضة لنتائج الانتخابات، ولكن لم يلبث أن تجمّع عشرات من معارضيه، وردّدوا هتافات ضدّه، في حين شكّل أفراد الشرطة حاجزاً بين الطرفين لمنع وقوع صدامات. كما رافقت الشرطة عدداً من أنصار ترامب إلى خارج المنطقة، للحيلولة دون حدوث اعتداءات أو مواجهات. وشهدت هذه التظاهرات أعمال عنف واشتباكاً بالأيدي، ولا سيما مع عناصر من حركة «حياة السود مهمّة» ومجموعات أخرى مناهِضة قرب البيت الأبيض، أسفرت عن طعن شخص من ذوي البشرة السمراء بسكّين، وفقاً لما أفادت به وكالة «أسوشيتد برس». ونقلت الوكالة عن مسؤولين قولهم إن التوترات امتدّت حتى صباح أمس، ونتجت منها أيضاً إصابة شرطيين اثنين.

بولتون: ترامب قد يسبّب ضرراً كبيراً للأمن القومي ولن يرحل بهدوء


بالتوازي مع ذلك، كتب ترامب في تغريدة على موقع «تويتر»: «مئات آلاف الأشخاص يُظهرون دعمهم في (واشنطن). لن يقبلوا بانتخابات مزوّرة وفاسدة!»، مبالِغاً في أعداد المشاركين في التجمّع. ومضت المتحدثة باسمه، كايلي ماكيناني، أبعد من ذلك، فتَحدّثت عن مشاركة «أكثر من مليون شخص» في التجمّع. وعَبَر موكب ترامب بالقرب من المحتجّين في أثناء توجّهه إلى ملعب الغولف، وبدا الرئيس المنتهية ولايته مبتسماً عبر نافذة السيارة الرئاسية، وقد حيّاه المتظاهرون بهتاف: «أفضل رئيس على الإطلاق»، رافعين شعارات حملته الانتخابية.
على المستوى السياسي، تواصلت ردود الفعل الشاجبة لسلوك ترامب الانتخابي، والمحذِّرة من المقاربة التي قد يعتمدها خلال الأيام المتبقّية له في البيت الأبيض. واعتبر مستشار الأمن القومي السابق، جون بولتون، أن ترامب قد يُسبّب ضرراً كبيراً للأمن القومي، معرِباً عن تخوّفه من أنه لن يرحل بهدوء بعد خسارته الانتخابات. وأشار إلى أن كثيراً من الناس يعتقدون، أو على الأقلّ يأملون، بأنّه سيدرك أنه خسر وسيذهب بهدوء، ولكن «أشعر بالخوف من أنّ رد الفعل سيكون عكس ذلك تماماً». وأضاف: «أعتقد، وأنا أتحدّث كجمهوري، أن طريقة احتواء الضرر لا على البلد فحسب، بل بالنسبة إلى الحزب أيضاً، هي أن يتحدّث القادة الجمهوريون، مثلما يفعل البعض الآن، للاعتراف بالواقع وإدراك أن جو بايدن هو الرئيس المنتخب».
وفي وقت لاحق، ردّ ترامب في تغريدة على بولتون، واصفاً الأخير بأنه «أغبى مَن عمل في حكومته»، منتقداً دعوته الدائمة إلى شنّ الحروب. وقال: «جون بولتون كان أحد أغبى الأشخاص في الحكومة الذين <أسعدني> العمل معهم. رجل متجهّم ومملّ وهادئ، لم يضف شيئاً للأمن القومي سوى: <يا إلهي، لنذهب إلى الحرب>، أيضاً نشر الكثير من المعلومات السرّية بشكل غير قانوني...».

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا