لندن | بينما كان فرز الأصوات مستمرّاً في الانتخابات الرئاسية البوليفية، ليلة 18 تشرين الأول/ أكتوبر 2020، تنادت القوى الفاشية والجماعات اليمينية المتطرّفة في البلاد، إلى تجمّعات عاجلة في مواقع عدّة، للاحتجاج على الفوز الذي بدا محتّماً لحزب «الحركة نحو الاشتراكية»، فيما سارعت جانين أنيز، الرئيسة المؤقتة لبوليفيا، والتي نصّبها الانقلابيون، إلى مخاطبة السفارة الأميركية للحصول على تأشيرات دخول عاجلة لـ350 من كبار كوادر حكومتها الفاشية. لقد كان واضحاً من كثافة إقبال الطبقة العاملة البوليفية - وغالبيّتها الساحقة من السكّان الأصليين للبلاد - على التصويت، أن «الموراليسيين» في طريقهم إلى استعادة السلطة، على رغم قرابة عام من العنف الممنهج والقتل المجاني والتعذيب والاحتجاز، الذي مارسه تحالف العسكرتاريا والنخبة البورجوازية والعصابات الفاشيّة ضدّ ناشطيهم وقياداتهم وكوادر نظام إيفو موارليس. وبالفعل، فقد أكّدت الهيئة العليا للانتخابات حصول «الحركة» على 21 مقعداً من أصل 36 في مجلس الشيوخ، و75 من أصل 130 مقعداً في مجلس النواب، وجاء في المركز الثاني تحالف «المجتمع المدني» - يسار الوسط - عبر 11 عضواً في مجلس الشيوخ و39 نائباً، فيما ذهبت المقاعد القليلة المتبقّية للتحالف اليميني. وبشكل نهائي، جرت المصادقة على المرشّح لويس آرسي في الانتخابات الرئاسية، بحصوله على أكثر من نصف مجموع الأصوات (53%). ووفق القانون البوليفي، يتعيّن على الفائزين تسليم أوراقهم الثبوتية في 28 تشرين الأول/ أكتوبر الحالي، على أن يتمّ التنصيب رسمياً خلال 15 يوماً من ذلك.

جاءت هذه النتيجة الحاسمة بمثابة إعادة اعتبار شخصي للرئيس موراليس - المنفيّ إلى الأرجنتين -، وتصويت بالثقة على توجّهات حكوماته، منذ عام 2006. وفي الوقت ذاته، جاءت لتعكس هزيمة تامّة مذلّة لتحالف الانقلابيين اليمينيين في لاباز (العاصمة)، كما الأنظمة الأعضاء في «مجموعة الدول الأميركية»، التي تآمرت للإطاحة بنظام موراليس، والأهمّ والأخطر صفعة مُحكمة على وجه الإمبراطورية الأميركية، التي طالما اعتبرت بوليفيا، وأميركا اللاتينية بمجملها، حديقة خلفيّة لواشنطن، لا تقبل فيها بصعود أنظمة وطنية يسارية تهدّد مصالح «اليانكي» الاقتصادية وهيمنته العسكرية.

يحتاج هذا الانتصار التاريخي في صناديق الاقتراع إلى حمايةٍ وتسييجٍ عاجلَين


لكن هذا الانتصار التاريخي المدوّي لفقراء بوليفيا في صناديق الاقتراع يحتاج، بحكم الخبرة التاريخية والواقع الموضوعي، إلى حمايةٍ وتسييجٍ عاجلَين من قِبَل اليسار للتعامل مع مترتّبات التفويض الشعبي الصريح، لا شكّ في أن أوّلها اليقَظة التامّة خلال الأيام القليلة المقبلة لضمان تحقُّق تداولٍ سلمي للسلطة، ومنع العناصر المتطرّفة في القوات المسلّحة من القيام بانقلاب جديد ضدّ العملية الديموقراطية في البلاد. وحتى بعد انتقال السلطة، فإن التراخي في اتخاذ إجراءات عاجلة لإعادة تأهيل منظومة الأجهزة الأمنية والقوات المسلّحة سيُبقي السيف الأميركي مصلتاً على رأس أيّ حكومة مقبلة، إن هي تجرّأت على اتخاذ خطوات جدّية لاستعادة سيادة الجمهورية، والتعامل بفاعلية مع التحدّيات البنيوية والعاجلة التي تواجه الشعب البوليفي. وكما يتوقع أيّ أميركي لاتيني، من المكسيك شمالاً إلى تشيلي جنوباً، فإن الولايات المتحدة عدوٌّ لا ينام، ولا يسامح أمام تلقّي الصفعات، وليس هناك شكّ لدى أيّ عاقل في أن أجهزتها الإجرامية تخطّط لعكس هذا الانتصار لليسار، وتفريغه من قيمته. هذا بالطبع إن لم تكن قد بدأت، بالفعل، بعقد الصفقات مع أطراف داخل اليسار نفسه، كما سبق وفعلت في الإكوادور، حيث رتّبت انقلاب لينين مورينو - الرئيس الحالي هناك - بعد تولّيه السلطة على رفاقه، وارتكاسه يميناً. ولذلك، فإن البوليفيين سيكونون في انتظار إشارات عاجلة من آرسي وحكومته في هذا الاتجاه، أقلّها محليّاً معاقبة الانقلابيين؛ وإقليمياً اتخاذ الإجراءات اللازمة لاستعادة موراليس وإسقاط التهم المغرضة بحقّه؛ ودولياً إلغاء قرار الحكومة الانقلابية تبادل العلاقات مع الدولة العبرية.
ومن المعروف أن للولايات المتحدة مصالح استراتيجية في حجب الاستقلال عن بوليفيا، ليس من الناحية الأمنية وصون الهيمنة على الجوار الإقليمي فحسب، بل لأهمية موارد هذا البلد الطبيعية الحيوية للاقتصاد الأميركي والعالمي؛ إذ يحتوي أكبر احتياطيات معروفة من معدن الليثيوم، العنصر الحاسم في إنتاج بطاريات الهواتف وأجهزة الكمبيوتر المحمولة والسيارات الكهربائية. وكانت حكومة موارليس قد قامت بتأميم تعدين الليثيوم، واستثمرت في إنشاء صناعات وطنية مملوكة من قِبَل القطاع العام، من شأنها تحويل ذلك المورد الثمين إلى منتجات ذات قيمة مضافة أعلى، مثل البطاريات على أنواعها، بالتعاون مع الصين. وهو أمر لا يمكن التعايش معه بالنسبة إلى النخبة الرأسمالية الحاكمة في الولايات المتحدة، التي اعتادت الانفراد بالهيمنة على موارد بوليفيا، قبل انتخاب موراليس في عام 2006.
وفوق احتمالات العدوان الدائم للجار الأميركي، وعداء الجناح الكمبرادوري الراسخ لأيّ توجّهات اشتراكية الطابع داخلياً، فإن حكومة اليسار الجديدة في بوليفيا سوف تواجه أيضاً عدداً من التحدّيات الهائلة الأخرى، ومنها استعادة السيطرة في مواجهة جائحة «كوفيد - 19» التي أودت إلى الآن بحياة أكثر 8000 شخص في بوليفيا، كما وإعادة بناء الاقتصاد في ظلّ أزمة اقتصادية عالمية متفاقمة تهدّد بجرّ الملايين حول العالم إلى الفقر المدقع. وكان النظام الانقلابي أساء إدارة الوباء بشكل كارثي، حتى أصبح معدّل الوفيات مقارنة بعدد السكان أعلى من معدّل الوفيات لدى نظام جايير بولسونارو اليميني في البرازيل، والذي يُضرَب به المثال عالمياً في الفشل الذريع. وكانت من أوائل الإجراءات التي اتّخذها الانقلابيّون، العام الماضي، طرد 700 طبيب كوبيّ، ما حَرم البلاد من خبرات مهمّة لا يسهل تعويضها، ووضَع المجتمعات المحلية في دائرة الانكشاف التامّ.

سيتوجّب الآن اتخاذ الإجراءات اللازمة لاستعادة موراليس وإسقاط التهم المغرضة بحقّه (أ ف ب )

أما اقتصاديّاً، فقد انهار الإنتاج خلال الأشهر الماضية، بعدما جمّد الانقلابيون المشروع الوطني لاستغلال ومعالجة احتياطيات الليثيوم، وتقلّصت الخدمات الاجتماعية بشكل إجرامي، وعاد الفقر للانتشار بعدما كان نظام موراليس قد خفّض نسبة الفقراء من مجموع المواطنين إلى 24%، مقارنة بـ48% قبل 14 عاماً. كذلك، توقّفت عملياً الشراكة الاقتصادية الواعدة مع الصين، في وقت وافقت فيه حكومة جانين أنيز الانقلابية على قرضٍ من صندوق النقد الدولي بقيمة 327 مليون دولار، يعدّ الأوّل من نوعه لبوليفيا منذ 17 عاماً، ويفتح باب التدخّلات للأميركيين في مسار الاقتصاد المحلّي بعد طول إقصاء.
ومع ذلك، فإن اليسار البوليفي - وعلى رأسه «الحركة نحو الاشتراكية» - يملك أوراقاً قوية عدّة قد تُمكّنه من التعافي سريعاً من عواقب الانقلاب اليميني، أهمّها الخبرة التي راكمها في السلطة والتنظيم، وتجذّره في صفوف الأكثرية الشعبية، وعلاقاته الوثيقة مع شركاء مهمّين في الإقليم والعالم، لديهم خبرات وموارد تحتاجها بوليفيا بشكل عاجل. الرئيس المنتخب نفسه كان قد أدار سياسة نظام موراليس الاقتصادية عبر 14 عاماً، ويدرك أكثر من غيره خريطة الأولويات والفرص. لكن هذا كلّه يظلّ رهناً بقدرة اليسار على التعلّم من سقطة الانقلاب، وتبنّي برنامج انتقال جذري نحو الاشتراكية، بدلاً من معاقرة السياسات الرمادية ووهم التعايش مع البرجوازية في نظُم اقتصادية مشتركة، دفعت الجارة فنزويلا أثماناً باهظة لها وما زالت.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا