هل جَمّدت إسرائيل شحنات السلاح إلى آذربيجان، علماً بأن طائرات النقل كانت حتى يوم أمس تنشط حاملة السلاح الإسرائيلي إلى باكو؟ أرمينيا تؤكد تلقّي وعد من تل أبيب بالتجميد، فيما الأخيرة تلتزم رسمياً الصمت، أما الجانب الآذربيجاني فينفي الأمر بشّدة، ويصف الأخبار الأرمينية بـ"الكاذبة". واضح أن إسرائيل تقف إلى جانب آذربيجان في الحرب الدائرة بين الأخيرة وأرمينيا، إذ إنها باشرت إرسال الوسائل القتالية المتطوّرة إلى باكو منذ اليوم الأول لنشوب الحرب، ومن بينها طائرات مسيّرة وانتحارية ومعدّات أخرى، استُخدمت، كما تؤكد الأنباء الواردة من القوقاز، في استهداف المواقع الأرمينية وإلحاق خسائر بشرية وأضرار مادية جسيمة بالجانب الأرميني.

موقف تل أبيب كان متوقعاً، إن لجهة الوقوف - بلا إعلان - إلى جانب الآذربيجانيين، وإن لجهة الصمت الرسمي عن الأحداث؛ ذلك أن إسرائيل تتطلّع، في ظلّ دعمها لآذربيجان عسكرياً، إلى أن تحافظ على علاقاتها مع أرمينيا. وكانت وسائل إعلام عبرية (صحيفة يديعوت أحرونوت) كشفت جزءاً مِمّا التزمت إسرائيل الرسمية الصمت إزاءه. ووفقاً لتقرير الصحيفة (29/09/2020)، فإنه "في العامين الماضيين، وربطاً بالتعاون الأمني بين إسرائيل وآذربيجان، كانت طائرات نقل آذربيجانية تحطّ في قواعد عسكرية تابعة للجيش الإسرائيلي، وتنقل وسائل قتالية مختلفة إلى باكو. اللافت أنه قبل بدء القتال الحالي بين الجيشين الأرميني والآذربيجاني، حطّت طائرتا نقل وصلتا من باكو، في إسرائيل، الأمر الذي تَكرّر لاحقاً بعد بدء القتال على رغم الاحتجاج الأرميني؛ إذ هبطت طائرة نقل آذربيجانية مُحمّلة بالوسائل القتالية الإسرائيلية في آذربيجان.
تقرير آخر، بثّته "القناة الـ 12" العبرية، نقلاً عن توثيق آذربيجاني لإطلاق صاروخ باليستي استهدف بنية تحتية أرمينية، أثار تعليقاً خاصاً لدى معلّقي القناة للشؤون العسكرية، إذ ظهر أن الصاروخ إسرائيلي من طراز "لورا"، ومداه 500 كيلومتر، مع هامش دقة لا يتجاوز بضعة أمتار. والفيديو، كما أشارت القناة، كشف "سرّاً كبيراً"، على اعتبار أن الطرفين، الإسرائيلي والآذربيجاني، لم يتحدّثا في الماضي عن صفقة سلاح تتعلّق بهذا النوع من الصواريخ. فهل هي نتيجة شحنات سلاح جديدة؟

يصعب توقّع تخلّي الدولة العبرية عن آذربيجان والتسبّب في تردّي العلاقات الوثيقة معها


وكانت أرمينيا، في موقف احتجاجي على تزويد آذربيجان بالسلاح الإسرائيلي المتطوّر، استدعت سفيرها في تل أبيب "للتشاور"، الأمر الذي فتح الباب أمام التفاوض بين الجانبين لإيجاد حلّ ما للأزمة الدبلوماسية الناشئة. ووفقاً للسفير الأرميني، أرمين سمباتيان، "يُرجّح أن تعمد إسرائيل خلال يومين أو ثلاثة إلى إيقاف تزويد آذربيجان بالسلاح". وأوضح سمباتيان أن تقديره هذا مبنيّ على وعود تلقّتها بلاده من مسؤولين في الحكومة الإسرائيلية. إلا أن مستويات التواصل بين الجانبين لا تشير إلى جدّية إسرائيلية تجاه يريفان، خاصة أن القناة التي اعتمدت عليها تل أبيب هي الرئيس الإسرائيلي، رؤوفين ريفلين، الذي يملك صلاحيات رمزية لجهة اتخاذ القرار. وريفلين، الذي اكتفى بمهاتفة نظيره الأرميني أرمين سركيسيان، أعرب عن أمله في أن تعيد يريفان سفيرها إلى تل أبيب، فيما رفضت وزارة الخارجية الإسرائيلية التعليق على تصريحات السفير الأرميني، مشيرة في ردّ على سؤال من وسائل إعلام عبرية (معاريف) إلى أنها تمتنع عن التعليق، سواء في ما يتعلّق بكلام السفير أم حول سياسة التصدير الأمني إلى الخارج.
من جهتها، اتّهمت آذربيجان الجانب الأرميني بـ"الكذب"، إذ قال رئيس فريق التواصل مع الإعلام الأجنبي في الرئاسة الآذربيجانية، فؤاد أخوندوف، في حديث إلى صحيفة "جيروزاليم بوست"، إن أيّ تقارير عن توقف المبيعات العسكرية الإسرائيلية لآذربيجان هي "أخبار كاذبة". ولفت إلى أن العلاقات بين باكو وتل أبيب "وثيقة جدّاً"، مضيفاً أن الشراكة هي التي تربط بلاده بإسرائيل، و"كجزء من هذه الشراكة، تأتي الاتفاقات التي أبرمتها آذربيجان مع إسرائيل لتزويدها بالسلاح". وأقرّ أخوندوف بأن جيش بلاده استخدم بالفعل طائرات إسرائيلية من دون طيّار في قتاله الحالي ضدّ أرمينيا، التي وصفها بـ"الجانب المحتلّ للأراضي الآذربيجانية".
بناءً على ما تقدّم، يبدو أن وعود إسرائيل لأرمينيا موضع شكّ كبير، ويستعصي على تل أبيب تنفيذها، إذ يصعب توقّع تخلّي الدولة العبرية عن آذربيجان والتسبّب في تردّي العلاقات الوثيقة معها، في سبيل منع تردٍّ في العلاقات مع أرمينيا ذات الفائدة المحدودة لإسرائيل. فآذربيجان شريكة لإسرائيل، أمنياً وعسكرياً واقتصادياً، والعلاقات البينية لا تقتصر على مليارات الدولارات من مبيعات السلاح، أو كون آذربيجان هي المورّد الرئيس لإسرائيل بما يزيد على 40 في المئة من احتياجاتها النفطية، بل هي شراكة تخدم الأمن الإسرائيلي بالدرجة الأولى، الذي يَتقدّم أي اعتبار آخر، خاصة أنه، هنا، يسهم في تعزيز الموقف الاستخباري، وكذلك الهجومي، وإن نظرياً، ضدّ العدوّ الأول لتل أبيب، وهو إيران.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا