في السابع من حزيران/ يونيو 2015 فشل حزب «العدالة والتنمية»، وللمرّة الأولى، في الفوز بأكثرية النواب في البرلمان. كان يحتاج إلى 18 نائباً. لكن المعارضة، المنقسمة على نفسها بين قوميين أتراك وقوميين أكراد، فوّتت فرصة ذهبية لإطاحة سلطة «العدالة والتنمية» ولم تتفق على تشكيل حكومة موحدة. واستغل رئيس الجمهورية حينها، رجب طيب إردوغان، الوضع فشكّل حكومة انتخابات ودعا إلى إجراء انتخابات نيابية مبكرة بعد أقل من خمسة أشهر، في 2 تشرين الثاني/ نوفمبر، وتمكّن حزبه من استعادة الأكثرية البرلمانية.

لكن دون ذلك كانت أسابيع من الاضطرابات الأمنية التي ذهب ضحيتها عدد كبير من الأكراد في أنقرة وفي ديار بكر ومعظم المناطق الكردية، ومحا الجيش التركي أحياء كاملة عن الخريطة. وقد ارتضى رئيس الحكومة حينها، أحمد داود أوغلو، ووزير داخليته أفكان آلا، أن يكونا أداة لتنفيذ مخطط القتل والتدمير والترويع والاعتقال الذي انتهى بإضعاف قوة حزب «الشعوب الديموقراطي» الكردي الذي تراجعت أصواته بعض الشيء.
اليوم، يستعاد المشهد ذاته. على الرغم من أن الانتخابات الرئاسية لا تزال بعيدة نسبياً، أي بعد سنتين ونصف سنة، فإن إردوغان يعدّ العدّة منذ فترة لتغيير الواقع الداخلي الذي لا يميل لمصلحته بعد الانتخابات البلدية قبل سنة ونيف، وإحداث وقائع جديدة تجعل من إجراء انتخابات رئاسية مبكرة يفاجئ بها خصومه ممكنة، في أي لحظة يعتقد أنها مناسبة. وإذا لم يجد تلك اللحظة، يراكم ما يقوم به في انتظار عام 2023.
نهار الجمعة الماضي، كانت سلطة حزب «العدالة والتنمية» مع فصل جديد من محاولات خنق «الشعوب الديموقراطي» (الكردي بغالبيته) بما يختزنه من نزعات كردية وعلوية وسريانية.

يحاول «العدالة والتنمية» منذ اليوم تجميع أوراق يعتقد أنها تمنحه ميّزة في الانتخابات


في أواخر أيلول/ سبتمبر ومطلع تشرين الأول/ أكتوبر 2014 كان تنظيم «داعش» يشدد الخناق على عين العرب/ كوباني وقد دعا حزب «الشعوب الديموقراطي» مناصريه إلى الاحتجاج في كل تركيا على منع أنقرة وصول مساعدات إلى كوباني لفك الحصار عنها، وشكّل درعاً بشرياً في اتجاه كوباني، بل زار رئيس الحزب صلاح الدين ديميرطاش، ونواب أكراد آخرون، كوباني في 30 أيلول/ سبتمبر. وفي السابع من تشرين الأول/ أكتوبر، أطلق رئيس الجمهورية إردوغان تصريحه الشهير من غازي عنتاب بأن كوباني «على وشك السقوط»، ما أدى إلى سخط كردي كبير واتسعت الاحتجاجات وتدخلت الشرطة وسقط نتيجة لذلك 42 قتيلاً ومئات الجرحى، واعتقل من حينها إلى الآن في هذه القضية 1213 شخصاً. وفي 11 تشرين الأول/ أكتوبر 2014 هدد إردوغان السياسيين الأكراد بأنهم سيدفعون الثمن. وفتح القضاء تحقيقاً، كان أحد فصوله نهار الجمعة الفائت، باعتقال 82 شخصاً اتهمهم القضاء بأنهم كانوا محرضين على الشغب والعنف. وجميع هؤلاء ينتمون إلى «الشعوب الديموقراطي»، وبينهم نواب سابقون ورؤساء بلديات ومسؤولو جمعيات.
جاءت الاعتقالات بعد يوم واحد من اجتماع مجلس الأمن القومي الذي أطلق صافرة الاعتقالات، وأيام على مشاركة المدعي العام للجمهورية في أنقرة يوكسيل كوجامان في حفل عرس في السرايا الرئاسية. من بين المعتقلين رئيس بلدية قارص آيهان بيلغين، والنواب السابقون: سرّي ثريا أوندير، ألتان طان، أمينة آينا، نظمي غور، ومسؤولون معروفون، مثل: علي أوركوت، غولفير آق قايا، ديليك ياغلي وآخرون.

لمَ الاعتقالات الآن؟
أوّلاً، إنها حلقة مفتوحة من مسلسل التضييق على الحركة الكردية في تركيا بمناسبة ومن دون مناسبة كي تبقى تحت الضغط والحؤول دون مراكمة إنجازات تتيح تعاظمها على المستويين الكردي والوطني. وهي سياسة دولة، ولا تخص فقط «العدالة والتنمية» وبدأت منذ عهد مصطفى كمال أتاتورك قبل مئة عام بالضبط واستمرت مع كل الحكومات المتعاقبة علمانية أو عسكرية أو إسلامية. وهي سياسة لا يتوقع لها أن تنتهي في المديَين المنظور والمتوسط.
ثانياً، يحاول «العدالة والتنمية» منذ اليوم تجميع أوراق يعتقد أنها تمنحه ميزة على خصومه في انتخابات رئاسة الجمهورية المقبلة في حزيران/ يونيو 2023. وهي أوراق بدأت مع إعادة اعتبار «آيا صوفيا» جامعاً ليشدّ العصب الديني حوله، ووجهه الآخر تصفية الحالة الكردية ليشد العصب القومي التركي حوله.
ثالثاً، إن تسعير النزعة القومية ضد الأكراد محاولة جدية من قبل إردوغان لإخراج أحد أجنحة التيار القومي التركي، وهو «الحزب الجيّد» الذي تترأسه مرال آقشينير من «تحالف الأمّة» (مع حزب «الشعب الجمهوري» و»الشعوب الديموقراطي») المعارض لإردوغان، والذي يجمع حوله نسبة مئوية مؤثرة جداً تقارب الـ 10 في المئة. وإذا لم ينجح إردوغان في تفكيك «تحالف الأمّة» فسيحاول تفكيك «الحزب الجيّد» نفسه ومحوه. وكان إردوغان قد دعا قبل فترة آقشينير إلى التحالف معه دون جدوى (حتى الآن).
أثارت خطوة المدعي العام ردود فعل غاضبة في الشارع الكردي، فخرجت تظاهرات في معظم المدن الكردية. وأعلنت برفين بولدان، الرئيسة الموازية (الرئيس الآخر مدحت سنجار) لـ»الشعوب الديموقراطي» أن الحزب «لن يركع ولن يحني الرأس»، كما دانت استمرار اعتقال رئيسي الحزب السابقين صلاح الدين ديميرطاش وفيغين يوكسيك داغ منذ أربع سنوات. ووصفت الاعتقالات الجديدة بأنها استمرار للانقلاب السياسي لإردوغان وبأنها خنجر في ظهر الديموقراطية. وقالت إن الاعتقالات ضدّ من وقفوا حينها بوجه»داعش» تؤكد شراكة إردوغان و»داعش» في دعم الإرهاب.
بدوره، قال سنجار «إن السلطة كلّما شعرت بالهزيمة تعتدي علينا، وكلما اعتدت تزداد خسارة». وقال «إن إردوغان لم ينس هزيمته في انتخابات 7 حزيران/ يونيو 2015 فلجأ إلى اعتقال نوابنا ورفع الحصانة عنهم. لكن الاعتقالات لن تجعلنا نستسلم». ووصفت صحيفة «يني أوزغور بوليتيكا» الموالية لـ»الشعوب الديموقراطي» ولحزب «العمّال الكردستاني» أن ما جرى هو «إبادة سياسية» بأمر من مجلس الأمن القومي التركي.
ولفت في الاعتقالات الأخيرة أن عدد النساء كان كبيراً، وهو ما دفع بالنائبة الكردية عن موش غولستان كيليتش قوتشيغيت إلى أن تقول «إن تركيا أمام نموذج جديد من الثقافة العثمانية. وكما استعمرت تركيا كردستان، فإنها رأت في المرأة الكردية مجرد غنيمة حرب. وتركيا المعاصرة هي النسخة الجديدة من ثقافة الغنيمة». وأضافت «إن الدولة أخرجت الأكراد من أن يكونوا مواطنين في تركيا مع اتّباع تحالف حزب العدالة والتنمية والحركة القومية سياسة فاشية وإنكارية باعتبار كل كردي تركياً».

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا