يصرّ الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، على أن خسارته غير ممكنة، إلّا نتيجة عملية غشّ. هو يعتقد، جازماً، أن لا فوز ممكناً لسواه، ويشتغل استناداً إلى تلك المُسلَّمة. بات مؤكّداً أن انتخابات الثالث من تشرين الثاني/ نوفمبر، التي ربّما تكون «الأهمّ» في التاريخ الأميركي، لن تكون سهلة بالمرّة، سواء جاءت النتيجة في مصلحة ترامب أو العكس، فالمصيبة واقعة في الحالتين. هذا ما تؤشّر إليه الأحداث المتواترة، وآخرها شغور منصبٍ في المحكمة العليا بوفاة القاضية «الليبرالية»، روث بادر غينسبرغ، والتي يُتوقّع أن تخلفها المرشّحة المحافظة إيمي كوني باريت، لتميل كفّة المحكمة نحو الجناح المحافظ (6 مقابل 3)، في ظلّ ترقّب ترامب انتقال المعركة الانتخابية إلى كنفها.


بشّر الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بأزمة انتخابية في ما لو جاءت نتيجة الانتخابات في غير مصلحته. بشارةٌ أرفقها بتوقّعات تشير إلى احتمال انتقال المعركة إلى كنف المحكمة العليا لبتّ النتائج. استدعت تصريحاته هذه استنفاراً ديموقراطياً، وكذا اعتراضاً عبّرت عنه شريحة وازنة من الجمهوريين الذين تعهّد زعيمهم في مجلس الشيوخ، ميتش ماكونيل، بـ»انتقال مرن» للسلطة يراعي «الأسس الديموقراطية» التي قامت عليها أميركا. وعلى رغم أن تلك ليست المرّة الأولى التي يعلن فيها ترامب موقفاً مماثلاً، يستند فيه خصوصاً إلى رفضه عملية التصويت بالبريد في ظلّ انتشار وباء «كورونا»، لكونها، كما يقول، مفتوحة على «التزوير»، وستؤدّي إلى نزاع أمام القضاء. انطلاقاً من هنا، يستعجل الرئيس الأميركي سدّ الشغور في المحكمة العليا، بتعيين قاضٍ محافظ فيها قبل موعد الانتخابات، لتأمين غالبية محافظة في ما لو اضطرّ إلى المقاضاة الانتخابية أمام هذه المحكمة.
ومثلما كان متوقعاً، رشّح ترامب، أول من أمس، القاضية الكاثوليكية المحافظة إيمي كوني باريت، لخلافة روث بادر غينسبرغ في عضوية المحكمة العليا، مطلقاً بذلك معركة مع الديموقراطيين في مجلس الشيوخ حيث يُتوقّع أن يُصادَق سريعاً على تعيينها، قبل خمسة أسابيع فقط من الاستحقاق الرئاسي. مصادقةُ الجمهوريين الذين يشكّلون غالبية «الشيوخ» شبه محسومة، وهي ستُمكّن ترامب من ترسيخ هيمنة اليمين في المحكمة العليا - حيث يُعيَّن القضاة مدى الحياة - لعقودٍ قادمة بصرف النظر عن اسم الفائز في تشرين الثاني/ نوفمبر (سبق للرئيس الأميركي أن عيّن، في ولايته الأولى، قاضيَين محافظَين هما نيل غورسوتش وبريت كافانو). جمهوريّو المجلس أكّدوا، من جهتهم، أن لديهم الدعم الكافي للمضيّ قُدماً في التصويت على الترشيح (53 مقابل 47)، إمّا قبل الاستحقاق، أو في أسوأ الأحوال في الجلسة الأخيرة من ولاية الرئيس المعروفة بجلسة «البطة العرجاء»، والتي تأتي بين الانتخابات وتنصيب الرئيس المقبل في 20 كانون الثاني/ يناير. في هذا الإطار، انتقد المرشّح الديموقراطي، جو بايدن، وآخرون في حزيه، خيار ترامب، وركّزوا خصوصاً على التهديد الذي قالوا إن كوني باريت ستمثّله على الرعاية الصحية لملايين الأميركيين. ودعا بايدن مجلس الشيوخ إلى عدم اتخاذ إجراء في شأن المنصب الشاغر الذي خلا بوفاة غينسبرغ إلّا بعد الانتخابات، متحدّثاً عن أن «دستور الولايات المتحدة يستهدف منحَ الناخبين فرصة لسماع أصواتهم في شأن مَن يخدم في المحكمة. لقد حان الوقت الآن ويجب سماع صوتهم»، ولا سيما أن الجمهوريين في «الشيوخ» رفضوا النظر في مرشّح الرئيس باراك أوباما للمحكمة العليا عام 2016، قائلين إن الفائز في انتخابات ذلك العام هو الذي يختار مَن يشغل المنصب.

أكد ترامب أنه لن يخسر الانتخابات إلّا إذا أقدم الديموقراطيون على تزويرها


استماتة ترامب لتعيين قاضية محافظة ترجع إلى اعتقاده بأن انتخابات 2020 ستنتهي في المحكمة العليا. من هنا، تنبع، بحسبه، أهمية وجود تسعة قضاة: «أعتقد بأن من الأفضل الذهاب إلى ذلك قبل الانتخابات، لأنّي أرى أن ما يحاول الديموقراطيون القيام به هو احتيال. وهذا الاحتيال سيُعرض أمام المحكمة العليا للولايات المتحدة»، في إشارة إلى خدمة التصويت عبر البريد. بوفاة غينسبرغ، بات عدد قضاة المحكمة العليا ثمانية، ما يثير احتمال انقسام هؤلاء في التصويت على الأحكام بأربعة أصوات مقابل أربعة، في وقت تقترب فيه البلاد من انتخابات يُتوقّع أن تحتدم المنافسة فيها. على هذه الخلفية، أكّد ترامب «(أننا) لا نريد الحصول على تعادل» في الأصوات، إذ إنه يتوقّع طعناً في النتائج. وفي حال الطعن، ربّما تضطرّ المحكمة إلى بتّ النتيجة، كما سبق لها أن فعلت في عام 2000 عندما ثبّتت فوز الجمهوري جورج دبليو بوش. وبعدما رفض، الأسبوع الماضي، التعهّد بانتقال سلمي للسلطة في حال هزيمته، ما أثار ردود فعل مندّدة من المعسكر الديموقراطي وحتى في صفوف الجمهوريين، أكّد، أول من أمس، أنه لن يخسر الانتخابات الرئاسية، إلّا في حال تزويرها عبر البريد. وشدّد في كلمة ألقاها أمام أنصاره في فيرجينيا: «لن نخسر الانتخابات إلّا إذا أقدموا على الغشّ. ولا يمكننا أن نسمح لهم بذلك، فالحديث يدور عن مصير بلادنا، لأن هؤلاء الناس سيدمرّون بلادنا»، مضيفاً: «نريد أن يكون الانتقال سلمياً، لا نريد أن نكون حمقى ونقول: دعونا نسلّم لهم الحكم، ونحن نعلم أنهم زوّروا ألوفاً مؤلّفة من بطاقات الاقتراع. هذا ما لن نتسامح معه أبداً».

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا