تواصل تركيا اندفاعتها القوية التي بدأتها في ليبيا واستكملتها في «آيا صوفيا»، والآن تقوم بهجوم مضاد على جبهتين.

لا ينكر خصوم تركيا أنها قلبت حتى الآن الموازين رأساً على عقب باتفاقيتي الترسيم البحري والتعاون الاقتصادي - العسكري مع حكومة فايز السراج في طرابلس الغرب. ووجد هؤلاء الخصوم على حين غفلة أن الجنود الأتراك والمرتزقة السوريين قد دحروا جيش خليفة حفتر ووصلوا إلى أبواب سرت - الجفرة. بات الحديث عن لاعبَين رئيسين في ليبيا: تركيا وروسيا. يجتمع قادتهما ويقرران وقفاً للنار ويحاولان، حتى الآن من دون نجاح، رسم حدود الاشتباك الميداني والسياسي والاقتصادي، فيما تبدو القوى المعنية أصلاً وأكثر من غيرها بالوضع في ليبيا، أي مصر وجامعة الدول العربية، قد تأخرت، تحت ذرائع شتى، عن امتلاك زمام المبادرة. وباستثناء مبادرة مصر لوقف النار والشروع في محادثات سلمية، فإن جامعة الدول العربية التي كانت رأس حربة ومظلة للقوى المعادية للنظام في سوريا، تؤكد مرة تلو الأخرى أن غيبوبتها وعجزها وتواطئها لا قعر له في ليبيا أيضاً.
قبل عشرة أيام، كان الرئيس التركي رجب طيب إردوغان يعلن حربه الشاملة على العلمانيين في تركيا وعلى العالم المسيحي المترنح من تردده وعجزه وانقساماته، فيحوّل «آيا صوفيا» إلى جامع ويطلق يد «شيخ إسلام السلطنة الجديدة» رئيس الشؤون الدينية علي أرباش، ويحمّله سيفاً، أثناء خطبة أوّل صلاة في «آيا صوفيا»، مستعيداً تقليداً عثمانياً، ومعطياً الغطاء الشرعي والديني لحروب إردوغان في أكثر من مكان.
«سيف أرباش» حظي بنقاش واسع في تركيا أكثر من حدث تحويل الكنيسة إلى جامع. وكان سبقه في مطلع أيّار/مايو الماضي «حديث سيفيٌ» لإردوغان نفسه عندما أشار إلى «إرهابيي بقية السيف» في تركيا. ومصطلح «بقية السيف» يطلق على الأقليات التي بقيت في تركيا وتعيش بثقافتها وتراثها. وغالباً ما يقصد بذلك الأقليات، وفي رأسها الأقلية الأرمنية، التي بقيت بعد الحرب العالمية الأولى أو تلك التي ارتضت البقاء رغم القمع الذي تتعرض له. وقد أثار كلام إردوغان حينها استياءً كبيراً من جانب الأرمن، ولا سيما النائب الأرمني عن حزب «الشعوب الديموقراطي» الموالي للأكراد غارو بايلان.

أعلنت أنقرة أنها على وشك البدء بمناورات بحرية في شرق المتوسط


«رسالة السيف» الأخيرة، عبر أرباش، كانت موجهة أوّلاً إلى مصر عندما باشرت السفن التركية التنقيب عن الغاز والنفط في مناطق تعتبرها مصر ضمن حدودها الاقتصادية البحرية. وهي رسالة أكبر وأقوى إلى الإمارات العربية المتحدة بشخص ولي العهد محمد بن زايد.
فتصريحات وزير الدفاع التركي خلوصي أقار، قبل أيام، إلى قناة «الجزيرة»، كانت لافتة في طبيعتها ونبرتها عندما تحدث عن الضرر الذي تسعى الإمارات لإلحاقه بتركيا من طريق دعم الإمارات لما سمّاه آقار «التنظيمات الإرهابية». واتهمها بنشاط مُضر في ليبيا وسوريا، وانتهى بتحذيره العالي النبرة: «سوف نحاسب الإمارات في الزمان الصحيح والمكان الصحيح».
وتذكر صحيفة «يني شفق» أن القشة التي قصمت ظهر البعير كانت في اتهام أنقرة للإمارات بأنها وراء قصف، في مطلع تموز/يوليو الماضي، منظومة دفاع جوي كانت أنقرة قد نشرتها للتو في قاعدة الوطية في غرب ليبيا، فيما كان وزير الدفاع التركي ووفد رفيع المستوى يتهيّأون لمغادرة طرابلس.
تفتح تركيا، بتهديد آقار غير المسبوق، علناً جبهة حرب جديدة مباشرة ضد دولة أخرى هي الإمارات، بعدما كانت المواجهة بينهما بالوكالة. من غير الواضح ما الذي يفكر فيه آقار لفعله ضد الإمارات، لكن تركيا تقترب أكثر من أي وقت لفتح جبهة حرب مباشرة، كما ضد الإمارات كذلك ضد مصر التي رفعت من وتيرة استعدادها العسكري على الحدود الليبية، بعد تشديد تركيا تدخلها في ليبيا.
وبعد الاشتباكات المفاجئة في منطقة طوفوز الآذرية على الحدود بين جيشي أرمينيا وآذربيجان في 12 تموز/يوليو الماضي، تحركت تركيا للدفاع عن آذربيجان رغم ترددها وحذرها من القيادة الآذرية. فحلّقت، في استعراض قوة، طائرات تركية من طراز «أف – 16» فوق آذربيجان على الحدود مع أرمينيا. ومن بعدها بدأت مناورات برية وجوية مشتركة بين البلدين قبل أسبوع في منطقة نخجوان، المنطقة ذات الحكم الذاتي التابعة لآذربيجان والتي تقع على الحدود مع تركيا ولا منفذ برياً لها مع الأراضي الآذرية.
وقد وصف وزير خارجية أرمينيا زوغراب مناتساكانيان المناورات التركية – الآذرية في نخجوان بأنها تأكيد للسياسة «الهدامة التي لا تخدم الاستقرار» لتركيا والتي تتجلى، وفق الوزير الأرمني، في مناطق أخرى من العالم، مثل شرق المتوسط وشمال أفريقيا والشرق الأوسط. واتهم مانتساكانيان تركيا بأنها تريد توتير الوضع في جنوب القوقاز، وهذا أمر غير مقبول من أرمينيا وستواجهه.
ولم تكتف أنقرة بمثل هذه المناورات، فقد أعلنت أنها على وشك البدء بمناورات بحرية في شرق المتوسط تشارك فيها قطع من الأسطول الآذري المتمركز في بحر قزوين، الساحل البحري الوحيد لآذربيجان والمغلق في الوقت نفسه. وستحمل المناورات اسم «درع المتوسط». وتربط تركيا آذربيجان بهذه المناورات لحماية أمن الحركة التجارية وإمدادات النفط، لكون خط نفط وغاز باكو- جيحان يصبّ في ميناء جيحان التركي على البحر المتوسط ومنها إلى العالم، مع احتمال البحث في مناورات لاحقة بمشاركة كل من كازاخستان وتركمانستان، ودائماً من زاوية الروابط النفطية بين هذه الدول وتركيا، علماً بأن دولاً أخرى كانت شاركت في مثل هذه المناورات، مثل باكستان وأحياناً، ولو بعناصر بشرية محدودة، الأردن.