تحمل الأحداث الأخيرة في إيران خلال الأسابيع الماضية، من تفجيرات استهدفت المنشآت الصاروخية والنووية، بصمات العدوّين الأميركي والإسرائيلي. أمر باتت تدركه الجمهورية الإسلامية جيداً وحتى تلمح إليه. بالتوازي، تنامت في أيام قليلة الثرثرة الإسرائيلية وتبجح وسائل إعلام العدو عن دور إسرائيلي، بل ذهبت إلى استنتاج أن هناك «نافذة فرصة» في استهداف طهران حتى الانتخابات الأميركية المقبلة. ما قيل قد يكون كلاماً إعلامياً، لكنه ربما يحمل بعض المصداقية بشأن مسؤولية واشنطن وتل أبيب، خاصة أن حركة وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، تجاه إسرائيل، قبل أي حدث تنوي واشنطن تنفيذه في المنطقة، صارت علامة بارزة. حدث هذا الأمر مثلاً قبيل اغتيال قائد «قوة القدس»، الشهيد قاسم سليماني، الذي استهدفته الطائرات الأميركية فجر الثالث من كانون الثاني/يناير الماضي.


يوم اغتيال سليماني
في بداية كانون الأول/ديسمبر 2019، أوقف رئيس حكومة العدو، بنيامين نتنياهو، حملته الانتخابية، وتوجه إلى البرتغال في الخامس من ذلك الشهر للقاء بومبيو. زيارة اتفق عليها الرجلان في اتصال بينهما، وكان من المفترض أن تتم بعد يومين (الاتصال الأحد والزيارة الخميس)، لكن بريطانيا اعتذرت عن عدم استقبال نتنياهو. آنذاك، قال إعلام العدو إن هدف الزيارة بحث توقيع اتفاق الدفاع المشترك بين واشنطن وتل أبيب، أو لبحث مسألة الضم التي قيل إنها ستكون هدية الرئيس دونالد ترامب لنتنياهو من أجل مساعدته في الفوز بالانتخابات التي كانت على بعد أيام. لكن الأخير كشف عن وجه آخر لسبب زيارته التي استمرت لساعات فقط، إذ وصفها بأنها «مهمة جداً لأمن إسرائيل»، مضيفاً: «تحدثنا عن إيران، لكن تحدثنا أيضاً بشكل موسع عن الفرص التاريخية التي ستأتينا خلال الأشهر المقبلة، بما فيها غور الأردن بصفته الحدود الشرقية المعترف بها لدولة إسرائيل، وحلف الدفاع مع الولايات المتحدة».
ثم في 30 كانون الأول/ديسمبر من العام نفسه (قبل ثلاثة أيام من اغتيال سليماني)، اتصل بومبيو بنتنياهو، ووفق بيان الخارجية الأميركية ناقش الطرفان الضربات الأميركية التي استهدفت «الحشد الشعبي» في سوريا والعراق رداً على مقتل متعاون أميركي بقصف قاعدة أميركية شمال بغداد، و«التهديد الذي تمثّله إيران على المنطقة». في نهاية البيان، وردت إشارة إلى نية واشنطن اغتيال سليماني، بالقول إن «وزير الخارجية أعاد تأكيد أن الولايات المتحدة ستتخذ إجراءات حاسمة للدفاع عن مواطنيها ومصالحهم ضد التهديدات الإيرانية». في اليوم التالي، أحرق محتجون عراقيون أجزاءً من السفارة الأميركية في المنطقة الخضراء ببغداد، رفضاً للاستهداف الأميركي الذي أدى إلى سقوط شهداء من «الحشد». وفوراً اتهمت واشنطن سليماني بأنه من أمر باستهداف سفارتها. صباح اغتيال سليماني، وقبل توجه نتنياهو إلى أثينا لتوقيع اتفاق خط أنابيب «إيست ميد» (لنقل الغاز الإسرائيلي إلى أوروبا)، قال للصحافيين الذين يرافقونه، وفق الكاتب في صحيفة «يديعوت أحرونوت» ايتمار آيخنر (6-1-2020)، ومن «دون أن يُسأل عن ذلك أبداً: نحن نعرف أن منطقتنا تهوج وتموج، وتحدث فيها أمور دراماتيكية جداً. نحن نتابع ذلك بيقظة، ونبقى على اتصال متواصل مع صديقتنا الكبرى الولايات المتحدة. نحن نؤيد تأييداً كاملاً كل خطوات الولايات المتحدة وحقها الكامل في الدفاع عن نفسها وعن مواطنيها»، ملمّحاً إلى «أشياء مثيرة للغاية»، في المنطقة.
بالطبع، لم تكن إسرائيل مطلّعة على توقيت الاغتيال فقط، بل وفق صحيفة «نيويورك تايمز» كان للاستخبارات الإسرائيلية دور في تحديد مكان سليماني قبل اغتياله، وتأكيد معلومة أنه كان موجوداً في مطار دمشق، وانطلق إلى مطار بغداد. كما ذكرت الصحيفة بوضوح أن «نتنياهو كان الزعيم الوحيد في العالم الذي كان يعلم بنية إدارة ترامب اغتيال سليماني، بعد اتصال جرى بينه وبين... بومبيو».

هل تتعاونان حالياً ضد إيران؟
فجر الجمعة، السادس والعشرين من الشهر الماضي، هزّ انفجار مجمع «بارشين» جنوب طهران. المُنشأة كانت تحت المراقبة الإسرائيلية لأعوام بحجة أن إيران أجرت فيها اختبارات نووية سرية. منذ ذلك اليوم، توالت انفجارات عديدة في الجمهورية، بعضها قد يكون بعمل أمني مباشر، وبعضها نتيجة خلل فني أو بمحض المصادفة. لكن سلسلة الانفجارات، والتغطية الإعلامية والتسريبات الإسرائيلية، تؤكدان أن بعضها سببه عمل أمني مباشر، وهو ما أعلنته صحف أميركية نقلاً عن مصادر إسرائيلية، ولا سيما بعد تفجير مخزن لأجهزة الطرد المركزي من الجيل الجديد في نطنز في الثاني من الشهر الجاري. فهل هناك تعاون وتخطيط أميركي ــ إسرائيلي لتنفيذ هذه العمليات؟ أم إسرائيل على اطلاع عمّا تنوي الولايات المتحدة فعله في إيران؟ أم هل الأخيرة على اطلاع بما تنوي تل أبيب فعله؟
قبل التفجيرات الأخيرة، تكرر النمط نفسه لحركة بومبيو «الديبلوماسية» لجهة لقاء نتنياهو وإطلاق تصريحات نارية ضد طهران؛ فالوزير الذي أعلن وفاة والده على «تويتر» في الخامس من أيار/مايو الماضي، توجه إلى تل أبيب في الثالث عشر من الشهر نفسه، في زيارة لساعات، رغم توقف حركة الطيران الدولي بسبب جائحة كورونا. طبقاً لإعلام العدو، أعطت الزيارة «ضوءاً أخضر لمهاجمة إيران في سوريا، وأصفر للضم، وأحمر ضد الصين»، تبعاً لما كتب الصحافي أبراهام بن تسفي في صحيفة «يسرائيل هيوم» (15-5-2020). لكن الانفجارات وتبنّي إسرائيل لها على نحو غير مباشر، يوحيان بأن هذه العناوين قنابل دخانية لتمويه السبب الحقيقي للزيارة. فكما هو معروف دوماً، تدعم واشنطن الهجمات الإسرائيلية ضد ما يسمى «مواقع إيرانية في سوريا»، وأصلاً بومبيو من الصقور الذين عبّروا دائماً عن دعم الضم، وأنه «مسألة تقررها إسرائيل». أما في ما يتعلق بالاستثمارات الصينية، فمن المؤكد أن إسرائيل لن تخسر حليفاً مثل الولايات المتحدة أو تتحمل غضب رئيسها الذي قدّم إليها كل ما حلمت به مقابل تنفيذ الصين مشروع تحلية مياه جنوب تل أبيب.

تثير زيارات بومبيو قُبيل أحداث كبيرة أسئلة عن حقيقة ما يُعلن بشأنها


لذلك، تدل كل المؤشرات على أن الزيارة تمحورت حول طهران ونية لعمل جديد ضدها، وهو ما لمّح إليه بومبيو خلال كلمته في جلسة مجلس الأمن التي عقدت لبحث حظر تصدير السلاح إلى إيران قبل يومين من تفجير نطنز، بقوله: «إيران تتباهى بسرعة أجهزة الطرد التي تضاعفت 50 مرة»، مضيفاً أن «على مجلس الأمن محاسبة إيران وإزالة خطرها على السلام». والمضمون عينه كرره نتنياهو في اليوم نفسه خلال لقائه المبعوث الأميركي للشؤون الإيرانية، برايان هوك، في تل أبيب، قائلاً إن إسرائيل «ستفعل كلّ ما يلزم لمنع إيران من تطوير برنامجها النووي، وهناك قضايا لا يمكن تأجيلها إلى ما بعد كورونا». وهذا الجو التحريضي ضد طهران بدا واضحاً في بيان الخارجية الأميركية الذي صدر بعد لقاء نتنياهو ــ هوك، إذ قال إنهما تباحثا في «الجهود المشتركة لمواجهة النشاط الإيراني الخبيث في المنطقة، وسبل حرمان إيران الموارد التي تحتاج إليها لتأجيج الإرهاب وتمويل الوكلاء».
بالعودة إلى مسألة الصين وتأكيد أن الزيارة لم تكن من أجلها تحديداً، كانت إسرائيل قد أنشأت في تشرين الأول/أكتوبر الماضي «لجنة الإشراف على الاستثمار الأجنبي»، بعد طلب أميركي إلغاء المناقصات الخاصة بالاستثمارات الصينية خشية تسريب معلومات في مجال الأمن والاتصالات والبنية التحتية في ميناءي حيفا وأشدود، حيث ترسو سفن حربية أميركية. وبموجب القرار الذي اتخذه الكابينت حينذاك، تألفت لجنة تضم ممثلين عن وزارة المالية والأمن والأمن القومي ومراقبين من الخارجية والاقتصاد، تدرس جوانب الأمن القومي في عملية الموافقة على تلك الاستثمارات. كما أن إسرائيل أعلنت بعد أيام من زيارة بومبيو (26-5-2020) خفض الاستثمارات الصينية فيها، موضحة أن شركة IDE الإسرائيلية ستنفذ مشروع التحلية.

لماذا الآن؟
باستقراء دقيق في إعلام العدو، يجمع معظم المحللين العسكريين على أن إيران اقتربت من «الحافة النووية»، ما يمكّنها من الحصول على نواة قنبلة في غضون أشهر. هذه الفرضية أكدها الجنرال المتقاعد ودكتور الفيزياء النووية الذي كان يعمل في الاستخبارات رفائيل أوفيك، في بحثه الذي أعدّه لمعهد «بيغن ــ سادات» (24-6-2020)، بالقول إن «إيران تبعد أربعة أشهر عن الحصول على قنبلتها النووية الأولى»، معتبراً أن نجاحها في ذلك «خطر وجودي، خاصة أنها أعلنت مراراً نيتها محو إسرائيل من الوجود». وعن توقيت التفجيرات، يقول أوفيك في بحث آخر (6-7-2020)، إن من الأسباب لتنفيذ التفجيرات الآن «الهجوم السيبراني الذي شنّته إيران ضد منشآت مدنية إسرائيلية في نيسان الماضي... والتقدم الكبير الذي أحرزته في تطوير أجهزة الطرد المركزي، وإنتاج كميات من اليورانيوم المخصب... إضافة إلى الاشتباك بين الولايات المتحدة وإيران في الخليج الفارسي، كما يمكن التنبّؤ بأن هذه الهجمات هي ردّ أميركي على فشل مجلس الأمن في تمديد حظر الأسلحة على إيران».



«نور نيوز»: أميركا خلف إسرائيل... أو إسرائيل خلف أميركا
نشر موقع «نور نيوز»، القريب من المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، مقالة ورد فيها أنه «في حال ثبت تورط الكيان الصهيوني في الحادثة الأخيرة على موقع نطنز النووي في محافظة أصفهان، لا يمكن استبعاد الدور الحاسم الذي لعبته أميركا في هذا الصدد والأخطار التي سيجلبها... خصوصا أنه عبور للخطوط الحمر للجمهورية الإسلامية». وركزت المقالة على «عملية التهويل الإعلامي» الإسرائيلية، وأنها تأتي «في إطار العمليات النفسية القائمة على الأخبار والمعلومات غير الموثقة من مصادر غير معروفة»، وهدفها «توجيه ضربة إلى الأمن النفسي للمجتمع الإيراني، وتقديم الكيان الصهيوني على أنه قوّة لا يستهان بها».
لكن الموقع قال إنه إذا أُخذ بفرضية ومزاعم وسائل الإعلام الموجّهة والمرتبطة بإسرائيل في ما يتعلّق بحادث «نطنز»، يجب النظر في «فرضية التغيير الاستراتيجي في طريقة عمل الكيان الصهيوني من أجل تغيير التوازن الأمني في المنطقة، الأمر الذي ستكون له تداعيات كثيرة». واستطردت المقالة بأن إسرائيل «لا تتجرّأ من دون ضوء أخضر من أميركا حتى على أن تفكّر في التعدّي على منطقة حساسة من قبيل المواقع النووية... في حال أقدمت إسرائيل على فعلتها حقاً في يوم من الأيام، فذلك بالتأكيد بناءً على طلب من أميركا أو على الأقل بضوء أخضر منها. في هذه الحالة، يجب أن يكون هناك تغيير استراتيجي في نهج أميركا». لكن الموقع ختم مقالته بأن «قبول أميركا هذا التحوّل في الاحتكاك بين الجبهتين أمر غير مرجّح تماماً، نظراً إلى الظروف المحلية والدولية التي أنهكت أميركا، خصوصاً أن الانتخابات الرئاسية اقتربت».