لم يعد يمكن إخفاء حالة التردّي الاجتماعي والثقافي التي يعيشها المشروع الفيدرالي الأميركي الذي فرضته النّخبة الحاكمة في عام 1776 وكرّسه إبراهام لينكولن بالحديد والنار في أعوام 1860 - 1865، قبل تورّمه كما وحش إمبراطوريّ يعتاش على امتصاص دماء شعوب العالم والقهر الممنهج لشعوب الولايات المتحدة نفسها، في تشكيل رأسمالي طبقي سافر يعيد إنتاج نفسه عبر مسرحيّة ديمقراطيّة سمجة كل أربع سنوات من دون أي تغيير يمسّ حياة الفقراء والطبقات الوسطى ممن هم خارج دائرة النخب.

ليس المهرّج دونالد ترامب وحده، وليس فقط الإعلام الأميركيّ – المهزلة، ولا حتى هيكل «سيليكون فالي» الفاسد خادم السلطة. ولا عشرات الألوف من ضحايا «كوفيد – 19» والمقابر الجماعيّة التي شُيّدت لهم. ولا الفوضى التامّة التي أطلقها القتل العلني لجورج فلويد على أيدي المولجين بحفظ النظام، ومشاهد المواطنين يحرقون أعلام الدولة الفيدراليّة ويرقصون فوق سيارات الشرطة المحترقة. أميركا كلّها اليوم مجتمع رجعيّ مذعور، عاجز عن حماية أكثريته من تغوّل الأقلّية، غاضب، ومستاء ومستقطب دينياً وعرقيّاً وطبقياً، ولم يعد يثق بالدّولة ولا بالمؤسسات ولا بالإعلام، تتعشّش في زواياه كل الخزعبلات الظلامية القروسطية النزعة، وليست لديه الطاقة الفكرية أو البيروقراطية للعبور بهذه العربة المهلهلة إلى المرحلة التالية.
وبينما يموت فقراء الأميركيين من الجوع وتنهشهم الأمراض، ويُترك 60 مليوناً من الأجراء في ليلة وضحاها بلا دخولهم الحقيرة ليتدبروا أمورهم ويخوضوا تجارب مهينة في النظام الاجتماعي الفيدرالي العقيم لتسوّل بعض المال المؤقت والمشروط، تحوّل الدولة الفيدرالية مليارات الدولارات بكبسة زر إلى حفنة الأثرياء واللصوص الرأسماليين الذين طردوهم أولئك الأجراء من العمل إثر الإغلاق الذي فرضه طاعون، في تكرار مملّ للعبة المليارات التي سُحبت من الأموال العامّة إثر الأزمة المالية العالمية في عام 2008 ووُجّهت حصراً لإنقاذ البنوك والمقامرين الماليين، بينما تُرك الفقراء وحيدين للجوع والبطالة والأمراض والعصابات.
لقد فقد الأميركيّون، بعد حفلة الجنون التي قدّمها ترامب في إدارته المرتبكة للإمبراطوريّة خلال السنوات الأربع الماضية، كل أمل مرتجى لهم من مسرحية الديمقراطية المفرّغة من المضمون، بل وبالعمليّة السياسية برمّتها: الديمقراطيّون الأكثر سخفاً من الجمهوريين ومرشحهم للرئاسة المصاب بالألزهايمر جو بايدن، الوجه الأسوأ للنخبة المتعفّنة ذاتها، واليسار الأميركي بتلاوينه التي تقضي جلّ وقتها في النضال الفيسبوكي لتدعيم الهويّات المختلقة التي تكرّس النظام ولا تنقضه: جنسية وعرقية ودينية وطائفية. ليس ثمّة من أفق هنا لـ«الأميركي العادي». لا شيء. وكلّ ما يجري في فضاء السياسة الأميركية، يساراً أو يميناً، محجوز ومؤطر في صندوق يتجاهل الطبقية الفاقعة وانعدام العدالة الاقتصادية الفادح.
الليبرالية، التي كانت أيديولوجيا المشروع الأميركيّ ونظريّته في بناء يوتوبيا الحرّية الفردية، أفلست منذ عقد وأكثر، ولم تعد تستحق، كما يقول جيمس داستيربيرغ، حتى مجرّد الانتقاد. وكأنها اليوم حقل فكري مهجور تملأه الأعشاب الضارّة، فيما حلم بناء ديمقراطيّة اجتماعيّة على النسق الأوروبيّ وفق أفيون بيرني ساندرز ورفاقه لا يمتلك أرجلاً يقف عليها في الدولة الأميركية المصمّمة بنيوياً لخدمة النخبة وحكم الاستخبارات وخوض الحروب. وهكذا أصبح الحلم الأميركي خاوياً، يجترّ أفكاراً كانت النخبة الأميركية تتعاطاها على أيّام رسول الليبراليّة القديم جون لوك، في بداية القرن الثامن عشر، ولم تعد ذات صلة في وقتنا الراهن.

الثورة بالمفهوم اللينيني غير ممكنة إطلاقاً في الولايات المتحدة


ما التالي إذاً؟ وماذا بعد كل هذا الخراب والموت والحرائق التي عمّت أنحاء الولايات المتحدة وشرعت تثير مصاعب للسلطات في فرنسا وبريطانيا وكندا بل وفي أستراليا الخاملة؟
الثورة بالمفهوم اللينيني غير ممكنة إطلاقاً في الولايات المتحدة، إذ تفتقد الدولة الأميركية الفيدرالية، بحكم أولويات النهب الدولي التي حكمت أجندتها منذ أكثر من قرنين، إلى كتلة بيروقراطية متماسكة عابرة للسياسة اليومية المتقلّبة تكون حاملة للتغيير، ورافعة للدّولة كمظلّة للأمّة تحفظ كيانها الأساسي لحظة انتقالها المحتّم من نسق إلى نسق. تلك الكتلة التي كانت سرّ بقاء الدولة الألمانية منذ توحيدها في عهد بيسمارك إلى اليوم مروراً بكارثة الهزيمة 1945 والتقسيم وإعادة التوحيد، وانتهاء بأزمة «كوفيد – 19» اليوم (حيث ألمانيا أقل دول أوروبا من حيث نسبة الوفيات مقارنة بأعداد المصابين)، وكذلك البيروقراطيّة المندرينيّة التي أعاد ماو بناءها في الصين، وكانت بوابته ورفاقه للنهوض بالأمّة بعد كبوة حرب الأفيون التي أنهكت الإمبراطورية الصينية لقرنين، ومكّنتها اليوم من استيعاب كارثة «كوفيد – 19» بكفاءة منقطعة النظير. وقد ظهر غياب مثل هذه الرافعة الوطنية أميركياً بشكل فاجر خلال أزمة «كوفيد – 19» بعدما بدا الرئيس مجرّد أحمق لا ينفك يبحث عمّن يلومه بسبب تفشي الوباء ويقدّم نصائح من مستوى تناول المبيضات الكيميائيّة لمحاربة المرض، وتصادمت المرجعيات العلمية في ما بينها وكل منها ينتقص من مصداقية الآخر، بينما لم يجد أغلب المتّصلين لطلب المساعدة الاجتماعية العاجلة من يجيبهم على الهاتف، وتعطّلت مواقع الإنترنت المخصّصة لذلك فيما يشبه فضيحة تليق بدولة من العالم الثالث. لقد تحوّل النظام الفيدرالي إلى خيبة وطنية كبرى يتغطّى وراءها الفشل واللصوص والمهووسون.
أشد المتفائلين بانكسار حدّة الفوضى في الولايات المتحدة سريعاً، وعدم انزلاق الأمور فيها نحو حروب أهلية محلّية بالسلاح، يجدون أن أفضل ما يمكن أن يحدث هو استرداد الولايات منفردة؛ صيغة الدول المستقلّة التي كانتها في مرحلة ما، وتفكيك المنظّمة الفيدرالية – الإمبراطوريّة لمصلحة بيروقراطية على نسق بروكسل في أوروبا، بحيث لا تعد جمهوريّة كاليفورنيا، مثلاً، تتحكّم بدولة جورجيا (ولا بالعربية السعودية حكماً)، ويتوقّف الصراع الدائم بين تكساس ونيويورك على فرض السلالات الحاكمة في العاصمة، بينما يتم تنسيق سياسات مشتركة للتبادل الاقتصادي البيني وحرّية التنقّل، وربما نوعاً من اتفاقيّة للدفاع المشترك أقرب لصيغة الاتحاد الأوروبي أو حتى الاتحاد السويسري، مع فرق الحجم طبعاً. ولا نعرف تحديداً أيّة صيغة اقتصادية سوف تغلب عليها، لكنها لن تكون قطعاً رأسمالية فجّة كالتي استفردت بالأكثرية الفقيرة دهراً.
قد تقاوم النخبة الأميركية الحالية، التي قد لا يتجاوز عددها فعليّاً في بعض التقديرات 10 -15 مليون شخص، بأسنانها مثل تلك التوجّهات، وتستخدم مطلق القوّة في قمع الفوضى بلا رحمة، وقد تستمر أبواق مثل توماس فريدمان في تدبيج المقالات الرؤيوية الكاذبة في عموده بجريدة «نيويورك تايمز» لبعض الوقت، لكن الانحدار نحو نهاية الرحلة قد بدأ، ولن تفلح واشنطن في النهاية من قمع كل الولايات معاً إن شرع بعضها في تقبّل فشل المشروع الأميركي، والتوقّف عن المشاركة في تعويم وحش الإمبراطورية الذي أنهك العالم ودمّر البيئة وتسبّب في سقوط ملايين القتلى والجرحى وجبال من الآلام والعذابات. ربما عصيان ولاية رئيسيّة واحدة سيكون كافياً بالفعل ليسقط أول أحجار الدومينو، التي ستتلاحق بعدها سريعاً بقيّة الولايات الخمسين، وستتبعها عندئذ زلازل تلحق بالنخب العالمثالثية التي طالما غطّتها واشنطن ضد مصالح شعوبها وتماهت معها عقوداً.
جورج فلويد. تذكّروا هذا الاسم جيّداً. فموته الحزين أطلق صافرة بداية النهاية للقرن الأميركي قبل اكتماله في عام 2045.