إذا سئل الرئيس دونالد ترامب عمّا إذا كان عنصرياً، فسيجيب من دون مواربة: «على العكس تماماً... أنا الشخص الأقلّ عنصرية الذي قد تقابله على الإطلاق». بهذه العبارة ردّ على الاتهامات بالعنصرية، في عام 2019، بعدما وصف مدينة بالتيمور ـــــ غالبية سكّانها من السود ـــــ بـ«الفوضى الموبوءة بالقرف والفئران والقوارض».

بحسب الكثير من المُعطيات والمعلومات، فإنّ سجلّ ترامب يشي بغير ما يُدلي به عن نفسه. الأمثلة كثيرة، وهي لا تقتصر على ماضيه في السبعينيات والثمانينيات، بل تتعدّاه إلى كلّ ما حصل منذ حملته الانتخابية السابقة، وصولاً إلى تبوّئه منصب الرئاسة، وأخيراً التصريحات المثيرة للجدل، التي أدلى بها خلال الاحتجاجات التي تشهدها الولايات المتحدة، على خلفية مقتل جورج فلويد على يد الشرطة.
ثلاثة تصريحات (تغريدات) يمكن الوقوف عندها في هذه المحطّة بالذات، انطلاقاً من وصف المتظاهرين بـ«السفاحين»، متوعّداً إياهم بعبارة «عندما يبدأ النهب، يبدأ إطلاق النار»، مروراً بالتهديد بإطلاق «الكلاب الشرسة» إذا حاول المتظاهرون اجتياز سياج البيت الأبيض، وصولاً إلى الرد على الاتهامات التي تطاوله، بتعزيز الانقسام والعنصرية وتبجيل العنف، مؤكداً أن إدارته قدّمت للسود «أكثر ممّا قدّم أي رئيس آخر منذ أبراهام لينكولن».
في الأولى، جملة تذكّر بأخرى استخدمها قائد شرطة ميامي والتر هادلي، في عصر الحقوق المدنية. «عندما يبدأ النهب، يبدأ إطلاق النار»، قالها هادلي، خلال جلسات استماع حول الجريمة في مدينة فلوريدا، في عام 1967. عبارة أثارت ردود فعل غاضبة، في حينها، وفقاً لتقرير إخباري في ذلك الوقت، ليردّدها ترامب بعد 53 عاماً ضدّ الاحتجاجات على مقتل شخص أسود... وضدّ العنصرية. ترامب أصرّ، على أنّه لم يكن على اطّلاع على جذور هذه الجملة، وقال إنه لم يكن يشجّع على العنف. لكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل يجب أن يعرف جذور جملة مستفزّة كهذه، من أجل عدم تكرارها؟

هل فعلاً لا يعرف ترامب جذور العبارات التي يُطلقها؟


في الثانية، ارتأى ترامب التهديد بالكلاب الشرسة، ربما مُذعناً لحقيقة أنّ التهديد بإطلاق النار سابقاً لم ينفع. فغرّد قائلاً: إذا حاول المتظاهرون اختراق سور البيت الأبيض «فستكون في استقبالهم الكلاب الضارية، وأكثر الأسلحة المشؤومة التي رأيتها على الإطلاق...». قوبلت هذه التصريحات بغضب من قبل العديد من الجهات، كما ردّت عمدة العاصمة موريل إي. براوسر (ديموقراطية)، معتبرة أنّ الرئيس «قام بتمجيد العنف»، عبر التذكير ببعض أسوأ الصوَر في تاريخ الحقوق المدنية. ما تتحدّث عنه براوسر يُمكن اختصاره في صورة التقطتها وكالة «أسوشييتد برس»، في ولاية ألاباما عام 1963، لشرطي يمسك كلباً شرساً في مواجهة متظاهر شاب أسود. بيده اليمنى، يحاول الضابط الوصول إلى سترة الشاب، ليجعله يقترب من الكلب الذي يندفع نحوه. عيون الشاب بدت شاخصة إلى الأرض، كرمز حي للّاعنف، وركبته إلى الأمام كما لو كانت تعرقل الهجوم. خلفه في الشارع، ينظر أميركيون سود آخرون بقلق. الصورة التي نُشرت على صفحات جريدة «نيويورك تايمز»، في ذلك الوقت، أثارت حينها انتقادات كثيرة، لما ترمز إليه من وحشية العنصرية الأميركية. لهذا السبب بالذات، تردّد صداها بقوة، عندما استعادها ترامب، محذراً الحشود التي تحتجّ على وفاة جورج فلويد. ومع إصراره على تكرار هذه العبارات «المشؤومة» بالنسبة لكثير من الأميركيين، كان لا بدّ من التساؤل: هل فعلاً لا يعرف جذور العبارات التي يُطلقها؟ ألا يجب على رئيس دولة ما أن يكون مدركاً لما يقوله، على الأقل؟ الجواب بسيط، فعلى حدّ تعبير الأستاذ المساعد في الدراسات الأفرو-أميركية في جامعة نيفادا تايلر دي باري: «ليس عليك أن تكون خبيراً لتعرف أن تهديد المتظاهرين بالكلاب الشرسة يثير فصلاً مزعجاً وشنيعاً في التاريخ الأميركي». في الواقع ، يشير باري، في حديث إلى صحيفة «واشنطن بوست»، إلى أنّ «الكلاب كانت تُستخدم كأدوات للإرهاب ضد السود، قبل وقت طويل من حركة الحقوق المدنية، بدءاً من السفن التي كانت تنقل العبيد، كما لا تزال الشرطة تستخدمها، بشكل غير متناسب، ضد الأميركيين الأفارقة اليوم».
لم ينته الأمر عند العبارتين المذكورتين أعلاه، فمع تقدّم الوقت ازدادت الاتهامات لإدارة ترامب بإحداث انقسام داخل المجتمع الأميركي. اتّهامات لم يكن من الرئيس إلّا أن ردّ عليها بنفسه بجملة أكثر فداحة من سابقاتها. فأعلن، قبل أيام، أنّ ما قدّمته إدارته لمجتمع السود في أميركا «أكثر ممّا قدمه أي رئيس آخر منذ أبراهام لينكولن»، مشدداً على أنّ «الأفضل للسود لم يأتِ بعد». عاد ترامب 150 عاماً إلى الوراء، تحديداً إلى عام 1863، عندما وقّع لينكولن على «إعلان تحرير العبيد»، من أجل إعطاء نفسه فضلاً في «الخدمات» التي قدّمها للسود. ولكن في حالة ترامب، فقد تكمن المفارقة في أنه قد يكون عبارة عن لينكولن «يحتقر السود»! السجلّ حافل بالوقائع والمعلومات التي تقول ذلك.
باختصار، وبناءً على مقاربة أكثر دقّة، يمكن الإشارة إلى أنّ ترامب، صاحب التاريخ الحافل بالعنصرية، حاول التقرّب من الناخبين السود، قبل الانتخابات الحالية، كما فعل قبل انتخابات عام 2016. ولم يغفل، أخيراً، التركيز على ما حقّقه من إنجازات، في إطار إصلاح العدالة الجنائية، وانخفاض معدّل البطالة بين السود، الذي وصل في الخريف إلى حوالى 5.5 في المئة. ولكن في ظلّ ما خلّفه فيروس «كورونا» من دمار في الاقتصاد الأميركي، ومن ضمنه ارتفاع البطالة بين السود إلى حوالى 16.7%، لم يبق من إنجازات لدى الرئيس سوى القدرة على إطلاق العنان لتصريحات عنصرية، قد تساعده، بشكل أو بآخر، على الحفاظ على قاعدته الانتخابية من البيض المتطرّفين.